د. راشد عبدالرحمن العسيري الوطن


الحياءُ خُلق عظيم حث عليه الإسلام وجعله من أسمى مكارم الإخلاق، وهو يبعث صاحبه على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حقِ ذي الحق، وهو متأصل في الفطرة الإنسانية، حيث يُبعد العبد عن ارتكاب الذنوب والمعاصي والشهوات.

وقد جاء الترغيب بخُلق الحياء والحث عليه في شريعة الإسلام، يقول الله تعالى: «وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ»، وقد فُسر لباس التقوى بأنه الحياء كما رُوي عن الحسن، ومعبد الجهني.

وقد ذكر الله تعالى الحياء في موضع المدح في قصة موسى عليه السلام لما وصل ماء مدين وسقى للمرأتين، يقول الله تعالى: «فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ».

وقد عد النبي الحياء شعبة من شعب الإيمان، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: «الإِيمانُ بضْعٌ وسَبْعُونَ، أوْ بضْعٌ وسِتُّونَ، شُعْبَةً، فأفْضَلُها قَوْلُ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأَدْناها إماطَةُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ، والْحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمانِ».

فالحياء يقطع صاحبه عن المعاصي ويحجزه عنها، فصار بذلك من الإيمان، لذا خُص بالذكر دون غيرها من باقي شعب الإيمان؛ لأن الحياء كالداعي إلى باقي الشُعب.

ومن تخلق بخُلق الحياء حاز الخير كله، فعن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: قال النبي: «الحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ».

فمن استحيا من الناس أن يروه يأتي المعاصي والمحرمات، فذلك أدعى أن يستحي من نظر الله تعالى إليه، وهو زاجرٌ له عن تضييع الواجبات وارتكاب المحرمات.

وعن أبي مسعود البدري قال: قال رسول الله: «إنَّ ممَّا أدْرَكَ النَّاسُ مِن كَلامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إذا لَمْ تَسْتَحْيِ فاصْنَعْ ما شِئْتَ».

فمن فقد خُلق الحياء في معاملته مع الناس أتى بالأمور العظام، ويظهر ذلك جلياً عند فئام من الناس ممن فقدوا هذا الخُلق.

لذا فإن خُلق الحياء يغرس في العبد الخشية من الله تعالى ويمنعه من ارتكاب المعاصي والمحرمات.

وشهر رمضان فرصة عظيمة لتنمية خُلق الحياء وتعزيزه في النفس المؤمنة، فإن الصيام يربي المؤمن على ضبط شهواته وغرائزه، ويزكي نفسه ويهذبها ويبعدها عن المعاصي، ويملأ قلبه بالخشية من انتهاك حرمة الشهر بكل ما لا يليق طاعة لله تعالى، وينمي لديه شعور المراقبة الحقة، ويدفعه لتعظيم حدود المولى عز وجل لنيل الفضائل والمكرمات.

لذا فإن اغتنام خيرات وبركات شهر رمضان المبارك، ومن بينها تعزيز مكارم الأخلاق، من المسائل المهمة التي يجب على المسلم الحرص عليها والاستفادة منها خلال أيام وليالي هذا الشهر الفضيل لتحقيق رضا المولى عز وجل ورضوانه.

* أستاذ الفقه بجامعة البحرين