قد يكون هذا العُنوانُ غريباً، بل وقد يستغربه حتى مَنِ تشرَّبَ قلبُهُ بِحُبِّ وطنه وأهله، فيقولُ: أنَّى هذا؟!
فالحياةُ أعظمُ من كُلِّ شيءٍ! وأمَّا قولُنا بأنَّ الحياةَ هي الأعظَمُ ففيه نَظَرٌ، نعم حياةُ الاستقامة بطاعةِ الله هي خيرٌ مِمَّا يجمعون، وهي الحياةُ التي تكون مُقدِّمَةً بينَ يَدَي الحياةِ عند الله، ومَنْ قصَّرَ في الحياةِ الأُولى الفانية فسيتحسَّرُ -يومَ القيامة- هُنالِكَ على حياتِهِ الآخِرَةِ الباقية، ويَقُولُ: "يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي"، "الفجر: 24".
فحياةُ البُعدِ عَنِ الله خَسَارٌ وإنْ كانت ذاتَ رِبْحٍ وظَفَار! نعم واللهِ، وكما قال الحقُّ سُبحانه: "فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ"، "التوبة: 55".
لذلك فأهْلُ الدُّنيا ما يحرِصون على الحياةِ السَّرمديَّةِ الأَبَديَّةِ، حياةِ الخُلُودِ والنَّعيم، وإنّما يحرصونَ على كُلِّ حياةٍ ولو كانت مَوْتاً! وكيف تكون الحياةُ موتاً؟! فكلُّ حياةٍ ليست لله فهي مَوْتٌ! وهذا سبيلُ أهلِ الدُّنيا: "وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ"، "البقرة: 96".
فحياةٌ ها هُنا في قوله سُبحانه: "وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ" نَكِرَةٌ في سياقِ الذَّمِّ فتُفيدُ التَّحقيرَ والتَّهوين، فهم ما حَرِصوا على الحياةِ لأنَّها نعيمٌ مُقيمٌ، ولكنْ لكونها حياةً، ولو كانت حياةَ ذُلٍّ وهَوان!
فنبيُّنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُمِعَتْ عليه أصنافُ البلاء، فلقد وُلِدَ يتيماً، ثم ماتت عنه أُمُّهُ طفلاً صغيراً، ثم مات جدُّهُ، ثم مات عنه -بعدَ حِيْنٍ- عمُّهُ أبو طالبٍ ظهيرُهُ، فتبِعَتْهُ -مَوْتاً- زوجُهُ خديجةُ وهي حبيبتُهُ ونصيرُهُ! ثُم أُخرِجَ من قريتِهِ وأهله وأحبابه ومالِهِ، فَخَرَجَ مُهاجِراً إلى المدينة: "وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ"، "الأنفال: 30".
فلقدِ اجْتَمَعتْ عليه قُرَيشٌ وأحلافُها لِيُثْبِتُوهُ أي ليُوثِقُوهُ وَيَحْبِسُوهُ أَوْ يَقْتُلُوهُ أَوْ يُخْرِجُوهُ مِنْ مَكَّة!
فهُنا ذَكَرَ اللهُ أصنافَ العذاب والأذى التي اجتمع الملأُ من كُفَّارِ قُرَيْشٍ عليها، فاتَّفقوا على إيقاعها بنبيِّ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكأنَّ اللهَ سُبحانه وتعالى بدأ بذِكْرِ أصغرِها وهو الحَبْسُ أوِ السِّجنُ: "وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ"، ثم جاء اللهُ بما هو أشدُّ مِنَ السِّجْنِ، فقال: "أَوْ يَقْتُلُوكَ"، ثم عَلَوْا – طُغْيَانًا- بِشَرِّهم وظُلمِهم: "أَوْ يُخْرِجُوكَ"، فذِكْرُ الإخراج بعد القتل إشارةٌ إلى أنَّ الإخراجَ أشدُّ من القتل! ذلك بأنَّ الله ذَكَرَ الحبسَ وهو أدنى الظلم ثم ذَكَرَ ما هو أكبرُ منه وهو القتلُ، ثم ذَكَرَ الإخراجَ بعد القتلِ، فعُلِمَ أنَّ الإخراجَ من الوَطَنِ أكبرُ من القتل! فالقتلُ الَّذي يأتي بالموتِ هو راحةٌ للصالحين، وأمَّا تشريدُهم في الأرضِ فهو تعذيبٌ لهم، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجِعون.
ومن أدِلَّةِ هذا المعنى قولُ الحقِّ سُبحانه وتعالى: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ"، "البقرة: 217".
فإذا كان القتُالُ في الشَّهر الحرام والمسجد الحرام كبيراً، فإخراجُ أهله منه أكْبَرُ من هذا القِتال، فَبَالأَوْلى أنَّ إخراجَ أُناسٍ من ديارِهم مِمَّا هي سِوى المسجد الحرام وفي غير الشهر الحرام فإخراجُهُم من ديارهم هذه حينئذٍ يكون أعظمَ مِنَ القِتالِ الَّذي قد يأتي بالقتل والتَّنكيل!
فما أجملَكِ يا بحرينُ من بلد! وما أطيبَ أهلَكِ! فلقد شاعَ بينَ النَّاسِ طِيبُهُم، وذاع في العالَمِ حُسْنُ خُلُقِهم، وامتنَّ اللهُ عليهم بجمال أرضِهم وبحرِهم، وما كان ذلك إلَّا بفضل الله وحدَهُ، فجزى اللهُ آلَ خليفةٍ كُلَّ خيرٍ، وحَفِظَ لنا مَلِكَ البِلاد المعظم قائماً بالخير كُلِّهِ، عامِلاً بأمرِ ربِّهِ سُبحانه وتعالى، مُسدَّداً موفَّقاً في سُلطانه وحُكمه، ونحن خلفَهُ جُنُوداً حُماةً لمملكتنا بما أوجبَهُ الله علينا من بيعةٍ في أعناقِنا، وسمعٍ وطاعةٍ لوليِّ أمرِنا، حَفِظَهُ اللهُ ونَصَرَهُ على كُلِّ باغٍ وعادٍ، ومِثلُ ذلك مِنَ النُّصرة والطَّاعة لصاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء وحُكُومته أيَّدَهُ الله وحفِظَهُ ورعاه، فكُلُّنا جُندٌ لمملكة البحرين، نأتَمِرُ بأمرِ مَلِكِنا المعظم، فإنْ أُمِرنا بأمْرٍ فَعَلنا، وإنْ رأتْ قيادتُنا قِتالاً قاتَلْنا، فبطاعة وليِّ الأمر بالمعروف تُحفَظُ الدُّنيا والدِّين، ويَقصِمُ اللهُ ظهرَ مَنْ تطاولَ على البحرينِ بقولٍ أو فِعْل، وأمَّا في حربِنا هذه فإنَّنا لمنصورون إنْ شاء الله، ذلك بأنَّ الله لن يُضيِّعَ عِبادَهُ، ولن يُسلِّطَ اللهُ ظُلماً على عدل: "وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ"، "آل عمران: 126"، فكلُّ صاحِبُ حقٍّ لَمَنصورٌ: "بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ"، "الأنبياء: 18"، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.