في أوقات الأزمات والحروب، تتسارع الأخبار وتكثر التحليلات، فيجد الإنسان نفسه محاطاً بموجة من القلق والتوتر والخوف. وهذا أمر طبيعي؛ فالعقل البشري مهيأ لحماية الإنسان من الخطر، ولذلك يميل إلى التفكير المتكرر في الاحتمالات السلبية. لكن المشكلة لا تكمن في القلق نفسه، بل في التفكير الزائد الذي يجعل الإنسان يعيش في دائرة من الأفكار المقلقة التي تستنزف طاقته النفسية وتؤثر في إحساسه بالأمان.
ومن هنا تأتي أهمية تعلم بعض الأساليب العملية التي تساعد على بث روح الطمأنينة في النفس وفي الأسرة والمجتمع.
أول هذه الأساليب هو تنظيم التعرض للأخبار. فالمتابعة المستمرة للأحداث، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قد تزيد من القلق أكثر مما تقدم معلومات مفيدة. لذلك من الأفضل الاكتفاء بمتابعة الأخبار في أوقات محددة ومن خلال المصادر الرسمية الموثوقة، وتجنب الانجرار وراء الشائعات أو التحليلات غير الدقيقة.
أما الأسلوب الثاني فهو إدارة التفكير الزائد. فعندما تتكرر الأفكار السلبية في ذهن الإنسان، يمكنه أن يسأل نفسه سؤالاً بسيطاً: هل هذه الفكرة حقيقة مؤكدة أم مجرد احتمال؟ كثير من مخاوفنا هي توقعات لا تتحقق. ويمكن أيضاً تحويل الانتباه إلى نشاط آخر مفيد مثل القراءة أو المشي أو ترتيب المنزل، لأن العقل لا يستطيع التركيز على فكرتين في الوقت نفسه.
وهناك أسلوب آخر مهم يتعلق بـ«الحديث الإيجابي» مع النفس. فبدلًا من ترديد عبارات مثل "الأمور ستسوء” أو "لا يوجد أمان”، يمكن للإنسان أن يذكّر نفسه بالحقائق الواقعية: أن هناك مؤسسات تعمل لحماية المجتمع، وأن الدولة تضع خططًا للتعامل مع الأزمات، وأن المجتمعات تمر بظروف صعبة ثم تتجاوزها.
كما تلعب الأسرة دوراً مهماً في تعزيز الشعور بالأمان. ففي أوقات القلق يحتاج الإنسان إلى الدفء العاطفي أكثر من أي وقت آخر. إن الجلوس مع أفراد الأسرة، وتبادل الحديث الهادئ، ومشاركة وجبات الطعام، والاهتمام بالأطفال وكبار السن، كلها ممارسات بسيطة لكنها تعيد التوازن النفسي وتخفف الشعور بالخوف. فالعائلة المتماسكة تمنح الفرد إحساسًا عميقًا بالاستقرار.
ومن المهم كذلك الاستمرار في الحياة اليومية قدر الإمكان. فالحفاظ على الروتين المعتاد – من عمل أو دراسة أو نشاطات منزلية – يساعد العقل على الشعور بأن الحياة ما زالت تسير بشكل طبيعي، ويمنع تضخيم القلق.
كما أن التواصل الاجتماعي بين الناس يشكّل عنصرًا مهمًا في تعزيز الطمأنينة في أوقات القلق. فالمجتمع حين يتقارب أفراده ويتبادلون الدعم المعنوي والكلمة الطيبة، يخفّ الشعور بالخوف والوحدة. وفي البحرين، اعتاد الناس منذ زمن طويل على روح التكافل والتواصل، حيث يقف الجار إلى جانب جاره، ويتفقد الأصدقاء بعضهم بعضًا، وتتبادل العائلات السؤال والاطمئنان. هذا الترابط الإنساني يخلق شعورًا عميقًا بأن المجتمع أسرة واحدة متماسكة، وأن كل فرد ليس وحده في مواجهة القلق أو الصعوبات. فالكلمة الطيبة،
والاتصال للاطمئنان، ومساندة الآخرين نفسيًا، كلها ممارسات بسيطة، لكنها تبث روح الأمان في النفوس، وتقوّي الروابط الاجتماعية التي تحمي المجتمع في أوقات الشدة.
وتشير دراسات علم النفس الإيجابي إلى أن المشاعر الإيجابية مثل الطمأنينة والأمل تساعد الإنسان على توسيع نظرته للأحداث وبناء قدرته على التكيف مع الضغوط، مما يعزز المرونة النفسية في أوقات الأزمات.
ومع كل ذلك، فإن الطمأنينة الحقيقية لا تعني إهمال الحذر. فالموقف المتوازن يقوم على الجمع بين الهدوء النفسي واتخاذ الاحتياطات اللازمة. لذلك من الضروري الالتزام بتعليمات الجهات الرسمية، ومتابعة الإرشادات الصادرة عن الحكومة، لأنها الجهة المسؤولة عن حماية المجتمع وتنظيم الاستجابة للأزمات.
كما أن روح التضامن الوطني تلعب دوراً أساسياً في تعزيز الاستقرار النفسي. فعندما يشعر الإنسان أنه جزء من مجتمع متماسك يلتف حول قيادته وراية وطنه، يزداد إحساسه بالأمان والثقة بالمستقبل.
إن المجتمعات القوية ليست تلك التي لا تمر بالأزمات، بل تلك التي تواجهها بعقل هادئ وقلب مطمئن وروح متماسكة.
حفظ الله البحرين قيادةً وشعباً، وجعل وعي أبنائها وتلاحمهم مصدر قوة وأمان لهذا الوطن الغالي.