د. سهير بنت سند المهندي

في لحظات التاريخ المفصلية تصدر القرارات الدولية كإشارات عميقة إلى تحولات في ميزان الإدراك السياسي العالمي، هكذا يمكن قراءة القرار رقم 2817 الذي اعتمده مجلس الأمن الدولي بمبادرة من مملكة البحرين نيابة عن مجلس التعاون لدول الخليج العربية وبدعم من المملكة الأردنية الهاشمية، فالقرار في ظاهره إدانة صريحة للهجمات الإيرانية، لكنه في عمقه يعكس تحوّلاً في فهم المجتمع الدولي لطبيعة أمن الخليج العربي؛ إذ لم يعد مجرد قضية إقليمية محدودة، بل جزءاً من معادلة الاستقرار العالمي، ومن هنا تبدو الدبلوماسية التي قادت هذا المسار وكأنها رؤية متوازنة تقول إن أمن المنطقة يمكن أن يُصان بالحكمة بقدر ما يُصان بالقوة.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذا القرار بجانب لغته الحازمة حجم الالتفاف الدولي حوله، فإن تحظى مسودة قرار برعاية 135 دولة داخل منظومة الأمم المتحدة يكاد يكون رقماً استثنائياً في تاريخ المنظمة، وهو مؤشر على أن العالم بدأ يدرك أن ما يجري في الخليج مسألة تتصل مباشرة بالاقتصاد العالمي، فالتقديرات الدولية تشير إلى أن نحو 20% من إمدادات النفط العالمية تمر عبر مضيق هرمز، أي ما يقارب 17 إلى 18 مليون برميل يومياً، إضافة إلى مرور ما يقارب ثلث تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، وفي عالمٍ شديد الحساسية تجاه الطاقة وسلاسل الإمداد، فإن أي تهديد لهذا الشريان البحري يشبه وضع نبض الاقتصاد العالمي على حافة القلق.

غير أن القراءة المتأنية لما بين سطور القرار تكشف بُعداً أعمق من مجرد الإدانة السياسية، فالقرار يؤسس عملياً لمرجعية قانونية دولية جديدة تعزز حق الدول في الدفاع عن أمنها وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وتمنحها غطاءً شرعياً للتحرك لحماية سيادتها وبنيتها التحتية، والذي ينص على «الحق الطبيعي الفردي أو الجماعي للدول في الدفاع عن نفسها في حال وقوع اعتداء مسلح عليها كاستثناء إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين مع وجوب إبلاغ المجلس فوراً بالإجراءات الدفاعية المتخذة»، وهنا تتجلى أهمية التحول من منطق ردود الفعل المؤقتة إلى بناء منظومة ردع قانونية وسياسية طويلة المدى، تجعل أي اعتداء مستقبلي موضع مساءلة دولية واضحة.

وفي هذا السياق لا يمكن إغفال البعد الأخلاقي والفكري الذي حملته هذه المبادرة، فالمشهد الدبلوماسي الذي قادته البحرين لم يكن مجرد تحرك إجرائي داخل أروقة الأمم المتحدة، بل كان تعبيراً عن فلسفة سياسية متزنة تبنتها دول الخليج العربي والأردن تقوم على أن الاستقرار يُبنى بالعقل، والحكمة، ومن هنا تبرز كلمة تقدير صادقة لهذا الفكر المتوازن الذي حملته مملكة البحرين إلى منصة الأمم المتحدة، وإلى قاعة مجلس الأمن الدولي نيابة عن أشقائها في الخليج العربي وبدعم من الأردن، فذلك لم يكن مجرد موقف سياسي، بل نموذج في إدارة الأزمات بعقلٍ منظم ورؤية مسؤولة.

إن هذا الفكر المتوازن يمثل في حقيقته رسالة حضارية بقدر ما هو موقف سياسي، رسالة تقول إن المنطقة التي بنت خلال العقود الماضية منظومات تنموية واقتصادية وإنسانية لا يمكن أن تسمح لعواصف التوتر أن تمحو ما تحقق من بناء وتقدم، بل إن الأمل أن تنتقل موجات هذا التفكير الرصين إلى عقول أولئك الذين ما زالوا يصرون على النظر إلى المنطقة بعين الصراع لا بعين المستقبل؛ أولئك الذين لا يرون في الاستقرار جمالاً، ولا في التنمية قيمة، بل يسعون إلى إعادة عقارب الزمن إلى الوراء. ولهذا فإن القرار 2817 لا يمكن قراءته فقط بوصفه رد فعل على اعتداءات عسكرية، بل بوصفه لحظة إدراك دولي بأن الخليج العربي لم يعد مجرد جغرافيا للطاقة، بل جغرافيا للاستقرار العالمي، وفي هذا الإدراك تكمن الرسالة الأعمق: أن الحكمة حين تقترن بالشرعية الدولية تصبح قوة هادئة لكنها شديدة التأثير، وربما تكون هذه هي المفارقة الجميلة في المشهد كله؛ فبينما تتصاعد أصوات التوتر في المنطقة، يخرج من الخليج العربي صوت آخر أكثر هدوءاً، لكنه أكثر رسوخاً، صوت العقل الذي يذكّر العالم بأن البناء أصعب من الهدم، وأن حماية المستقبل تحتاج دائماً إلى فكر متوازن قبل أي شيء آخر.