- - الميكروبيوم المعوي عضو خفي يؤثر في المناعة والتمثيل الغذائي والصحة النفسية
- - الصيام يُعزّز تنوع البكتيريا المعوية.. واختلال توازنها يرتبط بالسمنة والسكري وأمراض القلب
قالت استشارية طب العائلة وعضو جمعية أصدقاء الصحة د. زهرة خليفة إن العلماء أصبحوا في السنوات الأخيرة يطلقون على البكتيريا النافعة في الأمعاء اسم «العضو الخفي» في جسم الإنسان. والسبب في ذلك أن هذه الكائنات الدقيقة لا تعيش في الجهاز الهضمي فقط، بل تلعب دوراً مهماً في المناعة، والتمثيل الغذائي، وحتى الصحة النفسية.
وأضافت في تصريحات لـ«الوطن» أن هذه الكائنات يُطلق عليها اسم الميكروبيوم المعوي (Gut Microbiome)، وهو مجتمع ضخم من البكتيريا والكائنات الدقيقة التي تعيش في الأمعاء، ويُقدّر عددها بتريليونات الكائنات الدقيقة. ورغم أن كلمة "بكتيريا” قد تبدو سلبية للبعض، إلا أن جزءاً كبيراً منها مفيد وضروري للحفاظ على صحة الإنسان.
وأوضحت أن من أهم وظائف البكتيريا النافعة في الأمعاء أنها تساعد الجسم على هضم الألياف والكربوهيدرات المعقدة التي لا يستطيع الجهاز الهضمي تفكيكها بمفرده. وخلال هذه العملية تنتج مواد مفيدة تعرف باسم الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، وهي مواد تساعد على تغذية خلايا القولون، تقليل الالتهابات في الأمعاء، تقوية الحاجز المعوي ومنع تسرب السموم إلى الدم، كما أن بعض أنواع البكتيريا النافعة تساهم في إنتاج بعض الفيتامينات المهمة مثل فيتامين K وبعض فيتامينات B.
وعن علاقة الميكروبيوم بالمناعة والأمراض المزمنة، بيّنت د. زهرة خليفة أن الدراسات تشير إلى أن ما يقارب 70% من جهاز المناعة مرتبط بالجهاز الهضمي. ولذلك فإن صحة الأمعاء تؤثر بشكل مباشر في قدرة الجسم على مقاومة الأمراض. حيث تلعب البكتيريا النافعة دوراً مهماً في تدريب جهاز المناعة على التمييز بين الميكروبات الضارة والمواد غير المؤذية مثل الطعام. كما تساعد في تقليل الالتهابات المزمنة التي قد تكون مرتبطة بأمراض عديدة مثل الحساسية وبعض أمراض المناعة الذاتية. وقالت إن الأبحاث الحديثة بدأت تكشف عن ارتباط قوي بين اختلال توازن البكتيريا المعوية المعروف باسم Dysbiosis وعدد من الأمراض المزمنة مثل السمنة، السكري من النوع الثاني، متلازمة الأيض وأمراض القلب. فقد وُجد أن الأشخاص الذين يعانون من هذه الحالات غالباً ما يمتلكون تنوعاً أقل في البكتيريا المفيدة مقارنة بالأشخاص الأصحاء، مشيرة إلى وجود ما يسمى محور الأمعاء–الدماغ، وهو نظام تواصل معقد بين الجهاز الهضمي والجهاز العصبي. بعض البكتيريا المعوية تساهم في إنتاج مواد تؤثر في النواقل العصبية مثل السيروتونين، وهو ما قد يفسر العلاقة بين صحة الأمعاء والمزاج والصحة النفسية. وعن تأثير الصيام في الميكروبيوم، أوضحت أن بعض الدراسات الحديثة تشير إلى أن الصيام المتقطع أو الصيام في شهر رمضان قد يكون له تأثير إيجابي على صحة الميكروبيوم. فخلال فترات الصيام يحصل الجهاز الهضمي على فترة من الراحة تسمح بحدوث عمليات إصلاح في بطانة الأمعاء، قد يساعد الصيام على زيادة تنوع بعض البكتيريا المفيدة المرتبطة بتحسين التمثيل الغذائي. كما أن الصيام يساعد في تنظيم الإيقاع اليومي للبكتيريا المعوية، وهو ما قد ينعكس إيجابياً على عملية الهضم وتنظيم سكر الدم. ومع ذلك، فإن نوعية الطعام بعد الصيام تبقى عاملاً أساسياً في تحديد صحة الميكروبيوم. أما فيما يتعلق بالحفاظ على صحة البكتيريا النافعة، قالت د. زهرة خليفة إن هناك مجموعة من العادات الصحية التي تساعد على تعزيز توازن الميكروبيوم في الأمعاء، من أهمها: تناول الأطعمة الغنية بالألياف مثل الخضروات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة، إذ تعتبر الألياف الغذاء الأساسي للبكتيريا النافعة.
ونصحت بإدخال الأطعمة المخمرة في النظام الغذائي مثل اللبن (الزبادي) والكفير والمخللات الطبيعية، حيث تحتوي على بكتيريا مفيدة تعرف بالبروبيوتيك وأيضاً التقليل من الأطعمة المصنعة فالإفراط في تناول السكريات والأطعمة فائقة التصنيع قد يؤدي إلى اختلال توازن البكتيريا المعوية. ممارسة النشاط البدني بانتظام حيث تشير بعض الدراسات إلى أن الرياضة تساعد على زيادة تنوع البكتيريا المفيدة. كما أوصت بالاهتمام بالنوم الجيد وتقليل التوتر. فالتوتر المزمن واضطرابات النوم قد يؤثران سلباً في توازن الميكروبيوم.
وختمت قائلة: «لم تعد البكتيريا المعوية مجرد كائنات تعيش في الأمعاء، بل أصبحت تُعتبر اليوم جزءاً أساسياً من منظومة الصحة في جسم الإنسان. فالحفاظ على توازن هذه الكائنات الدقيقة من خلال التغذية الصحية، والنشاط البدني، ونمط الحياة المتوازن قد يساهم في تعزيز المناعة والوقاية من العديد من الأمراض المزمنة. ولهذا يمكن القول إن العناية بصحة الأمعاء هي استثمار طويل الأمد في صحة الجسم كله».