ليست أعظم ثروات البحرين ما تختزنه الأرض في باطنها، بل ما يختزنه البحرينيون في صدورهم، ثروةٌ لا تُحفر لها الآبار، ولا تُنقصها الأعوام، بل تزيدها التحديات رسوخاً، وهذه هي الحقيقة التي كشفتها البحرين للعالم.

وفي هذه الأيام بدت هذه الحقيقة أكثر وضوحاً، إذ تجلى التلاحم الوطني بين الدولة والمجتمع بوصفه مصدر القوة الأعمق لهذا الوطن، مجتمعٌ يقف بثقة خلف قيادته، ومؤسساتٌ تعمل بثبات، وقيادةٌ حاضرة تدير اللحظة بعقل الدولة لا بانفعال اللحظة. وفي قلب هذا المشهد حرص حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم على أن يتقدم الصفوف لمتابعة مجريات الأوضاع عن قرب، فيما قاد صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء تنسيق الجهود الحكومية لضمان استمرار الخدمات بكفاءة وانسيابية كاملة، بحضورٍ ميداني لسموه كان له الأثر البالغ.

وفي خضمّ هذه الظروف الاستثنائية، أثبتت مؤسسات الدولة البحرينية مرةً أخرى قدرتها على العمل كمنظومة واحدة، حيث تواصلت الخدمات العامة والحياة اليومية بانسيابية وثبات، في صورةٍ تعكس رسوخ البناء المؤسسي للدولة وثقة المجتمع بقدرتها على إدارة اللحظة مهما تعاظمت التحديات. ولم يشعر المواطن أو المقيم بأن إيقاع الحياة قد اختل، بل بدت الدولة يقِظة ومنظمة، وأكثر قدرة على تحويل لحظات التحدي إلى لحظات تثبت فيها قوتها وصلابتها التي ستُدرَّس للأجيال.

وما يميز التجربة البحرينية أن قيادتها لم تنظر يوماً إلى القرب من الناس بوصفه ظرفاً تفرضه الأزمات، بل نهجاً راسخاً في إدارة الدولة، فمشاركة الناس همومهم والوقوف بينهم في لحظات الشدة ليست استثناءً في هذه البلاد، بل سلوكٌ سياسي وإنساني متجذر تنقله القيادة جيلاً بعد جيل، وتغرسه في أبنائها كما غرسته في مؤسسات الدولة.

غير أن ما كشفت عنه هذه الأيام يتجاوز مجرد نجاح إدارة الأوضاع الاستثنائية في ظل الاعتداءات الإيرانية الآثمة، وهنا يظهر الفارق بين دولةٍ تعرف معنى الدولة، ونظامٍ مارقٍ مازال يبحث عنه.

ولهذا أخطأ من في طهران في قراءة البحرين ودول مجلس التعاون ككل. فالدول التي تضيع فيها مراكز القرار لا تستطيع أن تفهم معنى الدولة الواضحة، وحين يصبح القرار موزّعاً بين أجنحةٍ متصارعة، تتبدل الروايات من ساعة إلى أخرى، اعتذارٌ في لحظة، وتنصّلٌ في أخرى، ثم سيلٌ من الروايات والأخبار المختلَقة في محاولة لإخفاء ارتباكٍ لا تخطئه العين.

وهنا تكمن المفارقة، فإيران التي تمتلك من الموارد والثروات والتنوّع ما كان يمكن أن يجعلها واحدة من الدول المزدهرة في المنطقة، اختارت أن تبدّد تلك الإمكانات في مشروعٍ مؤدلج يمدّ أذرعه خارج الحدود، مغلّفاً السياسة بشعاراتٍ دينية تُستدعى كلما احتاجت السلطة إلى تلميع سياساتها.

أما البحرين، فقد اختارت طريقاً آخر، طريق دولة تعرف بوصلتها جيداً ولا تضيع في متاهة الشعارات. دولةٌ ثابتة النهج، موحّدة القرار، لا تتقلّب مواقفها مع تقلّب اللحظات، ولا تحتاج إلى رواياتٍ متناقضة للهروب من الواقع، لأن وضوح الطريق يغنيها عن كثرة التبرير.وهكذا تمضي البحرين كما عرفها تاريخها، وطناً يزداد رسوخاً كلما هبّت عليه الرياح، فها هي نخيل البحرين الباسقة تجني ثمارها، بينما تقف طهران حائرة تبحث عن ظلٍّ يقيها حرَّ ما زرعت.

فيصل العلي