من سنن الله الجارية في حياة الأمم أنَّ الأزمات الكبرى لا تمر مروراً عابراً، بل تأتي لحظة تمحيصٍ واختبار، تنكشف فيها الحقائق، وتتبين فيها المواقف. ففي أوقات الرخاء قد تختلط الأصوات وتتقارب الشعارات، أما حين تعصف التحديات بالأوطان فإن المواقف تتجلى بوضوح، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾؛ وهي آية كريمة تختصر سنة إلهية عظيمة، يظهر بها الصادق في ولائه، ويُعرف بها المخلص في انتمائه، وتنكشف بها الأقنعة التي قد تخفيها ظروف الاستقرار.
والوطن في ميزان الشريعة ليس مجرد أرض تُسكن، ولا حدود تُرسم على الخرائط، بل هو موطن الأمن ودار الاستقرار التي تُصان فيها الدماء، وتُحفظ فيها الحقوق، وتستقيم فيها حياة الناس. ومن هنا قرر علماء الشريعة الإسلامية أن حفظ الأوطان وصيانة أمنها من أعظم المصالح التي جاءت الشريعة برعايتها، لأن اضطراب الأمن يفضي إلى اضطراب الدين والدنيا معاً.
وفي مثل هذه الأوقات العصيبة، يتأكد الواجب على أبناء الوطن في أن يكونوا على قلب رجل واحد، وأن تتوحد الكلمة حول مصلحة البلاد العليا، وأن يتجلى صدق الانتماء في المواقف الصادقة والدعم المسؤول لكل ما يحفظ استقرار الوطن ويصون أمنه. فالأوطان لا تحميها الإمكانات المادية وحدها، وإنما يحميها قبل ذلك تلاحم أبنائها والتفافهم حول قيادتهم ومؤسسات دولتهم.
وإن مما يبعث في النفوس الطمأنينة والفخر ما تبذله القيادة الحكيمة من جهود عظيمة في إدارة هذه المرحلة بروح المسؤولية والبصيرة. ومن حق الوطن علينا أن نتوجه بالحمد أولًا لله تعالى على نعمة الأمن والثبات، ثم نعبر عن خالص الشكر وعظيم الامتنان لجلالة الملك المعظم - حفظه الله ورعاه - على قيادته الحكيمة وحرصه الدائم على حماية الوطن وصون استقراره، ولسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء لما يبذله من جهود مخلصة في دعم مسيرة العمل الوطني وتعزيز استقرار البلاد. لقد أثبتت التجارب أنَّ قوة الدول لا تقاس فقط بما تملكه من موارد، بل بما يتجذر في شعوبها من وعي وولاء صادق، وبما يجمع أبناءها من وحدة صف وثقة راسخة بمؤسسات دولتهم. وعندما تتعزز هذه الروح الوطنية الجامعة، يصبح الوطن أكثر قدرة على تجاوز التحديات وتخطي الأزمات بثبات وعزيمة.
وهكذا تبقى الأزمات - على شدتها - محطات تمحيص تُظهر معدن الشعوب الأصيلة، وتؤكد أن الأوطان التي تتكاتف قلوب أبنائها حول قيادتها ومؤسساتها تظل قادرة بعون الله على تجاوز المحن، لتبقى راية الوطن عالية، ويظل الولاء له عهداً راسخًا لا يتبدل.
* باحث دكتوراه- باحث شرعي بوزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف