في القمة الخليجية السادسة والأربعين التي استضافتها مملكة البحرين في شهر ديسمبر الماضي، أي قبل ما يزيد على ثلاثة أشهر، طرح الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية جاسم البديوي فكرة في غاية الأهمية تتمثل في مشروع «القبة الصاروخية الخليجية»، وهو نظام دفاعي خليجي موحد يهدف إلى حماية دول المجلس من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة وأي اعتداء قد يستهدف أمن المنطقة واستقرارها.

في ذلك الوقت، ربما بدا المشروع للبعض خطوة استباقية ضمن مسار تعزيز العمل الخليجي المشترك، لكن التطورات التي شهدتها المنطقة مؤخراً أثبتت أن مثل هذا المشروع لم يعد خياراً استراتيجياً فحسب، بل أصبح ضرورة أمنية تفرضها التحديات المتسارعة.

فالقمة الخليجية جاءت بعد اعتداءين آثمين تعرضت له دولة قطر على أراضيها من إيران وإسرائيل، ومع استمرار التصعيد العسكري في المنطقة، اتضح أن تداعيات هذه المواجهات لم تعد تقتصر على أطرافها المباشرة، بل امتدت لتطال دول الخليج العربي بشكل مباشر أو غير مباشر. فهذه الدول ليست طرفاً في تلك الصراعات، ومع ذلك وجدت نفسها في مرمى تداعياتها، سواء عبر استهداف الأجواء أو تهديد المنشآت الحيوية أو تعريض المدنيين للخطر.

لقد استهدفت الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة في أكثر من مناسبة مناطق مدنية ومنشآت نفطية وبنى تحتية في دول الخليج العربي وتسبب بوقوع ضحايا وإصابات بين صفوف المدنيين ، في انتهاك واضح لحرمة الدول وسيادتها، ولأمن المواطنين والمقيمين الذين يعيشون في هذه الدول الآمنة.

ورغم ذلك، أثبتت المنظومات الدفاعية في البحرين وبقية دول مجلس التعاون كفاءتها العالية في التعامل مع هذه التهديدات، حيث تمكنت من اعتراض وتدمير عدد كبير من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي حاولت استهداف الأراضي الخليجية. إلا أن هذه التطورات أكدت في الوقت ذاته أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال إلى مستوى أعلى من التنسيق والتكامل الدفاعي بين دول المجلس.

ومن هنا تبرز أهمية مشروع «القبة الصاروخية الخليجية»، الذي يقوم على اعتماد نظام دفاعي خليجي موحد للتصدي للهجمات الصاروخية والجوية، وتكامل منظومات الرصد والإنذار المبكر والدفاع الجوي بين دول المجلس، بما يعزز قدرة المنطقة على حماية أمنها واستقرارها بشكل جماعي.

وفي المقابل، أكدت دول الخليج العربي مراراً وتكراراً أنها ليست طرفاً في الصراعات الدائرة في المنطقة، وأنها تسعى إلى الحفاظ على الاستقرار وتجنب التصعيد. غير أن إيران تصر على جرّ المنطقة إلى دائرة الحرب، في وقت تواصل فيه البحرين وبقية دول مجلس التعاون الخليجي اتباع سياسة الحكمة وضبط النفس، مع التمسك بحقها المشروع في الدفاع عن أراضيها وحماية أمن مواطنيها ومقيميها.

وفي خضم هذه الظروف، برزت أيضاً أهمية التكامل الخليجي في الجوانب اللوجستية والاقتصادية والإنسانية. فقد أصبحت مدينة الدمام في المملكة العربية السعودية نقطة انطلاق لرحلات طيران الخليج بالإضافة إلى إجلاء المواطنين، عبر مطار الملك فهد الدولي وجسر الملك فهد، إضافة إلى استمرار حركة الشحن والإمدادات، وهو ما يعكس صورة واضحة للتكامل بين دول المجلس في مواجهة التحديات.

كما أعادت هذه التطورات التأكيد على أهمية المشاريع الخليجية المشتركة التي يجري العمل عليها منذ سنوات، مثل الربط الكهربائي، ومشروع السكك الحديدية الخليجية، والاندماج الرقمي، والربط السياحي، والاتحاد الجمركي، والسوق الخليجية المشتركة، وهي مشاريع لا تعزز الاقتصاد الخليجي فحسب، بل تكرّس أيضاً مفهوم المصير المشترك بين دول المجلس.

إن ما تشهده المنطقة اليوم يثبت أن أمن الخليج العربي كلٌ لا يتجزأ، وأن التحديات التي تواجه دولة خليجية واحدة هي تحديات تمس بقية الدول أيضاً. ولذلك فإن تعزيز العمل الدفاعي المشترك، واستكمال مشروع «القبة الصاروخية الخليجية»، يمثلان خطوة استراتيجية لحماية أمن المنطقة وضمان استقرارها في مواجهة أي تهديدات.

فالخليج اليوم يتحرك كصوت واحد وكيان واحد، يجتمع لحماية أوطانه وشعوبه، ويؤكد للعالم أن أمنه خط أحمر، وأن التعاون الخليجي سيظل الدرع الأقوى في مواجهة الأزمات والتحديات.