دول الخليج من بعد 28 فبراير لم تعد تلك التي كانت قبلها، بل ستكون أقوى بكثير، فالخسائر المادية تعويضها ليس بالأمر المستعصي، وقوتنا العسكرية ستكون قد اكتسبت خبرة، وتعلمت من هذه التجربة الكثير مما سيغير من قواعد اللعبة.
بعد أن يتم التفاوض -وسيتم عاجلاً أم آجلاً- إن ظلت إيران تحت حكم الحرس الثوري، وإن ظلت إسرائيل تحت حكومة يمينية إسرائيلية متطرفة، فإن دول الخليج تحتاج إلى إعادة النظر في سياساتها وعقيدتها العسكرية، لمواجهة هاتين القوتين المتطرفتين فأوضاعهما بعد التفاوض لن تكون كما كانت عليه قبل 28 فبراير.
الموقف من إيران لابد أن يكون موقفاً خليجياً واحداً، فموقف الحرس الثوري الإيراني العدائي ضد دولنا الخليجية كان قاسماً مشتركاً بلا استثناء وبلا تفرقة، شمل حتى من اتخذ الحياد تجاهه ولم يترك للدبلوماسية الإيرانية مجالاً، حاولت فيه القيادات السياسية الإيرانية المدنية أن تخفف من أثره السلبي لكنها عجزت، فمسيّراتها وصواريخها شملت الدول الخليجية الست، ليؤكد لنا هذا الموقف أن علاقة دول الخليج بإيران ماضية لمزيد من التشدد والتعقيد، خاصة أن البقية من الحرس سيبرز توجهاته القومية بشكل أكبر ولن تعود جمهورية إسلامية، بل جمهورية فارسية بامتياز.
ليس هذا هو التحدي الوحيد الذي ستواجهه دول مجلس التعاون في اليوم التالي بعد توقيع الاتفاق، فقد اكتشفنا أن تحالفاتنا الغربية منها والشرقية، من بعد تعرّضها لامتحان الجدية، لم تكن على مستوى التوقعات.
فما هو مشروعنا الأمني القادم كدول خليجية؟ ما هي استراتيجيتنا العسكرية القادمة كمجلس تعاون؟ نعرف أننا كنا وسنظل دولاً داعية للسلام استراتيجيتنا دفاعية وستبقى كذلك، إنما ما هي البنية الدفاعية العسكرية والأمنية التي ستتواكب مع تجربتنا التي عشناها مؤخراً؟ ومَن هم شركاؤنا؟ بمَن سنتمسك ومَن سنتخلى عنه؟ وأي نوع من الدفاعات نحتاجها ونصرف عليها ونستفيد منها؟ فقد أثبتت منظومتنا الخليجية أنها على درجة عالية من تنسيق أمني وصحي ومواصلات واتصالات، فكانت منجاة لنا من الضياع والتشتت، وأنقذتنا وأغنتنا عن أي طرف أجنبي.
ووصلنا إلى قناعة أن مَن غرد خارج السرب منا بدعوى الخصوصية لم ينفعه ذلك الانفراد في وقت كالذي نمر به، ولن تنفعه أي منظومة غير منظومة مجلس التعاون، علينا أن نعتمد على أنفسنا تماماً!
تغيّرت معادلات استراتيجيتنا الأمنية، إنما بالمقابل أثبتت منظومات الدفاع الجوي المشترك الأمريكي بالدرجة الأولى، والأوروبي بالدرجة الثالثة أو الرابعة، أنها كانت لنا سنداً في رد الهجمات الصاروخية، والدعم اللوجستي، ومنظومة الدفاع الجوي الذي عمل عليه نخبة من أبنائنا أنقذتنا من الهجمات الصاروخية والمسيّرات، مما يُعيد بناء هيكلية استراتيجيتنا الدفاعية وتجديدها بناء على ما استُجد من تطورات جعلتنا نعيد ترتيب ما نحتاجه، فمثلما تغيرت الأسلحة الهجومية تتغير العقيدة العسكرية معها لا الدفاعية فقط.
العقيدة العسكرية التي بُنيت عليها جيوشنا لتحديد أعدائنا وحلفائنا لابد أن تُجدد ويعاد قراءتها من جديد وفقاً للمنعطف الخطير الذي نمر به الآن، فقد علمتنا الأحداث الأخيرة أن إيران ليست وحدها من ينتظر سقوطنا، بل أحياناً حتى شركاؤنا لا يهمهم أمننا، ولا تعني لهم سلامتنا، مما يترتب عليه أن نعيد النظر في قواعد الارتباطات الخارجية: «الخليجية الأجنبية» و«الخليجية العربية» والبينية أي «الخليجية الخليجية».
دول مجلس التعاون عليها أن تتواضع لبعضها البعض وتسقط جميع الجدران القائمة بينها، حين يتعلق الأمر بالدفاع المشترك، أي مانع كان موجوداً قبل هذا المنعطف الخطير لابد أن يسقط، أي تباعد نتيجة أية خلافات سابقة عليه أن يقف عند هذا الحد، الأمر لم يعد تمايزاً وتفرداً، الآن أصبح تحديد مصير.
مَن حاول اللعب الانفرادي والتفّ على خيار الوحدة الخليجية واستعاض عنه بتحالفاته مع أطراف أجنبية أو غير أجنبية، اكتشف أن تلك التحالفات لم تحمِهِ من الخطر الإيراني، ولم تجعل إسرائيل تقف معه في محنته أو، حتى تستشيره حين يتعلق الأمر بسلامة شعوبنا، بل كانت تلك التحالفات عامل إضعاف وتهميش لمقومات منظومتنا الدفاعية المشتركة.
وحدها دولنا التي ساندت بعضنا بعضاً، وبالأخص المملكة العربية السعودية التي فتحت لنا موانئها ومطاراتها.
قياداتنا الخليجية بلا استثناء ملكت الحكمة والخبرة والحنكة السياسية التي حمتها من الاستدراج للفخ المنصوب لدول مجلس التعاون، ونأمل من تلك الحكمة أن تقنعها بدعوة الملك عبدالله -رحمه الله- بأنه آن الأوان للانتقال إلى مرحلة أعلى سقفاً في بناء منظومة دفاعية خليجية مشتركة، بعد أن اقتنعت أن وحدتنا مصيرية بالفعل، ولولاها لما استطعنا أن نحمي ظهرنا في هذا الوقت العصيب.