سماهر سيف اليزل

في ظل الظروف الراهنة، ومع تصاعد التوترات وما يصاحبها من صفارات إنذار وأصوات انفجارات، لا تعيش كل الأسر التجربة ذاتها. فهناك منازل يتحول فيها الخوف إلى اختبار يومي مضاعف، حيث لا يقتصر القلق على النجاة من الخطر، بل يمتد إلى كيفية احتواء طفل لا يفهم ما يحدث، أو لا يستطيع التعبير عنه.

أسر الأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد ومتلازمة داون تعيش هذا النوع من القلق المركّب، حيث تصبح اللحظة التي يُفترض أن تكون سريعة وحاسمة مليئة بالتفاصيل المعقدة والانفعالات غير المتوقعة.

وفي هذا السياق، يؤكد خبير واستشاري التربية الخاصة د. أسامة أحمد مدبولي أن "الأزمات تكشف هشاشة التفاصيل الصغيرة داخل الأسرة، وتُظهر حجم التحديات التي يواجهها أولياء أمور الأطفال من ذوي الاضطرابات النمائية، خاصة في البيئات غير المستقرة”.

ويضيف: "عندما تدوي صفارة الإنذار، الطفل العادي قد يبحث عن والديه، أما الطفل من ذوي التوحد فقد يضع يديه على أذنيه ويصرخ، أو يهرب بشكل مفاجئ، أو يتجمد في مكانه. هذه ليست ردود فعل عشوائية، بل انعكاس مباشر لحساسية مفرطة وصعوبة في فهم الحدث".

ويشير إلى أن كثيراً من الأهالي يعيشون شعوراً بالعجز في تلك اللحظات، خاصة عندما يفشلون في تهدئة الطفل بسرعة، أو عندما تتفاقم حالته بدلاً من أن تهدأ.

وتروي إحدى الأمهات تجربتها قائلة: "مع أول صفارة إنذار، بدأ طفلي بالصراخ بشكل هستيري، كان يضع يديه على أذنيه ويركض في أرجاء المنزل. لم أستطع أن أشرح له ما يحدث، فقط احتضنته وحاولت تهدئته بأي طريقة".

وفي تجربة أخرى، يذكر أحد الآباء أن ابنه حاول الهروب إلى خارج المنزل فور سماع الصوت، موضحاً أن "الطفل كان يهرب من الإحساس المزعج، وليس من الخطر نفسه، لأنه لا يدرك اتجاه الأمان".

أما أم أخرى، فتصف لحظة انهيار حسي عاشتها ابنتها، قائلة: "صفارة الإنذار كانت مؤلمة لها، بدأت بالبكاء الشديد وضرب رأسها. لم أجد حلاً سوى استخدام سماعات عازلة واحتضانها في مكان هادئ حتى هدأت تدريجياً".

هذه المشاهد اليومية لا تنتهي بانتهاء صوت الإنذار، إذ يوضح مدبولي أن "بعض الأطفال يدخلون في حالات تكرار قهري للكلمات، أو تعلق مفرط بأحد الوالدين، أو اضطرابات في النوم، وهي كلها مؤشرات على استمرار تأثير الصدمة".

بين الواجب الوطني.. وقلق لا يغادر قلوب الآباء والأمهات

ولا تقف التحديات عند حدود التعامل داخل المنزل، بل تتفاقم لدى شريحة من أولياء الأمور الذين يعملون في الصفوف الأمامية، سواء في القطاع الصحي أو الأجهزة الأمنية، حيث يجدون أنفسهم أمام معادلة شديدة القسوة.

ويقول مدبولي: "هناك آباء وأمهات يخرجون لأداء واجبهم الوطني في أصعب الظروف، بينما يتركون خلفهم أطفالاً من ذوي التوحد أو متلازمة داون، وهم يدركون تماماً أن أبناءهم قد لا يفهمون سبب غيابهم المفاجئ، أو قد يواجهون نوبات خوف دون وجودهم".

ويضيف: "هذا النوع من الضغط النفسي مركّب، لأن ولي الأمر لا يكون حاضراً جسدياً أو نفسياً بشكل كامل، فهو يؤدي دوراً وطنياً من جهة، ويحمل قلقاً مستمراً على أسرته من جهة أخرى".

وتشير بعض التجارب إلى حجم هذا التحدي؛ إذ تروي أم تعمل عن بُعد أنها اضطرت لإيقاف اجتماع عمل بشكل مفاجئ أثناء صفارة الإنذار، بسبب حالة الهلع التي أصابت طفلها، مضيفة: "لم يكن أمامي خيار، كان عليّ أن أكون أماً أولاً، لكن الضغط كان كبيراً في محاولة التوفيق بين العمل واحتواء الموقف”.

كما يلفت مدبولي إلى أن إغلاق بعض المراكز المتخصصة خلال الأزمات يزيد العبء على الأسرة، موضحاً أن "هذه المراكز تمثل عنصر دعم أساسي، وغيابها يضع الأهل أمام مسؤولية التعامل الكامل مع الطفل دون إرشاد مباشر، ما يزيد من الحيرة والضغط النفسي".

سلوك مختلف.. حين يتحول الصوت إلى ألم

ويوضح مدبولي أن فهم طبيعة الأطفال من ذوي التوحد ومتلازمة داون هو المفتاح الحقيقي للتعامل معهم في الأزمات، مشيراً إلى أن الاختلاف في ردود الأفعال يعود إلى أسباب علمية واضحة.

ويقول: "الأطفال من ذوي التوحد يعانون غالباً من حساسية مفرطة للأصوات والضوء، وصعوبة في فهم الأحداث المفاجئة، إلى جانب ضعف في التواصل والتعبير، وحاجة شديدة للروتين. لذلك، فإن صوتاً مفاجئاً كصفارة الإنذار قد يتحول بالنسبة لهم إلى تجربة حسية مؤلمة".

ويتابع: "أما الأطفال من ذوي متلازمة داون، فقد يبدون أكثر هدوءاً، لكنهم قد لا يستوعبون خطورة الموقف، أو يتأخرون في الاستجابة، وقد يتبعون أي شخص بدافع الثقة، ما يشكل خطراً إضافياً".

ويؤكد أن بعض السلوكيات مثل الضحك غير المبرر، أو الغضب، أو رمي الأشياء ليست سوى محاولات للتعبير عن التوتر، وليست سلوكيات مقصودة أو "سيئة" كما قد يظن البعض.

كيف نتصرف؟.. الأمان يبدأ من هدوء الكبار

وحول آليات التعامل، يشدد مدبولي على أن أول ما يحتاجه الطفل في لحظة الخطر ليس التعليمات، بل الشعور بالأمان.

ويقول: "إذا كان صوتك مرتفعاً أو حركاتك متوترة، سينتقل القلق مباشرة إلى الطفل. لذلك يجب التحدث بصوت هادئ، واستخدام كلمات بسيطة، أو حتى الاكتفاء بالإشارات في بعض الحالات".

ويضيف أن التعامل يختلف من طفل لآخر، فبعض أطفال التوحد قد يفضلون تقليل الكلام والاعتماد على التوجيه الجسدي اللطيف، بينما يستجيب أطفال متلازمة داون بشكل أفضل للتعليمات المباشرة والواضحة.

كما يؤكد أهمية اتخاذ خطوات عملية أثناء الإنذار، موضحاً أن على الأهل الانتقال فوراً إلى مكان آمن دون نقاش، والإمساك بالطفل جيداً لتجنب الهروب، وتقليل المؤثرات الحسية مثل الضوء والصوت، واستخدام سماعات عازلة عند الحاجة، وتوفير عنصر مألوف يمنح الطفل الطمأنينة، مع تجنب العقاب أو الضغط تحت أي ظرف.

ويشدد على أن "الهروب من أخطر السلوكيات في هذه اللحظات، لأن الطفل قد يهرب من الصوت لا من الخطر، لذلك يجب عدم تركه مطلقاً".

التدريب المسبق.. نصف الأمان

ويؤكد مدبولي أن الاستعداد قبل الأزمة لا يقل أهمية عن التعامل أثناءها، موضحاً أن "اللحظة الحقيقية لا تحتمل التعلم، لذلك يجب تدريب الطفل مسبقاً على سيناريوهات بسيطة".

ومن بين الأساليب الفعالة تمثيل مواقف افتراضية بشكل هادئ، واستخدام صور وبطاقات توضيحية، وتكرار التدريب بشكل منتظم، وتعزيز الطفل عند الاستجابة الصحيحة.

كما ينصح بتهيئة المنزل، من خلال تخصيص غرفة آمنة، وتثبيت الأثاث، وإبعاد الأدوات الخطرة، وتجهيز حقيبة طوارئ تحتوي على احتياجات الطفل الأساسية.

ما بعد الخطر.. آثار لا تُرى بالعين

ويحذر مدبولي من أن انتهاء الإنذار لا يعني انتهاء التأثير، مشيراً إلى أن "بعض الأطفال قد يعانون من اضطرابات في النوم، أو قلق مستمر، أو تغيرات سلوكية، وهنا يأتي دور الأسرة في إعادة الروتين تدريجياً، وتقديم الطمأنينة، ومراقبة أي مؤشرات تستدعي تدخلاً مختصاً".

وفي ختام تصريحه، يؤكد د. أسامة مدبولي: "قد لا يفهم الطفل معنى القصف أو الخطر، وقد لا يستطيع التعبير عما يشعر به، لكنه يدرك شيئاً واحداً بوضوح... هل هو آمن أم لا. هذا الشعور يصنعه من حوله، من صوت والديه، من هدوئهم، ومن قدرتهم على احتوائه. في الأزمات، قد لا نملك السيطرة على كل شيء، لكننا نملك أن نكون مصدر الأمان.. وهذا هو الدور الأهم للأسرة".