تعتبر الإشاعة إحدى أسلحة الحرب النفسية التي تؤثر على الروح المعنوية للشعوب. ويندس العديد من الذين يتربصون الشر بالمجتمع لتحقيق مصالحهم سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو شخصية في محاولة للاصطياد في الماء العكر فيطلقون الشائعات المغرضة. لذا من الأهمية بمكان أن نكون على وعي شديد بهذه الشائعات حرصاً على سلامة الوطن والمواطنين.
الشائعة هي موضوع أو كلام قابل للتصديق، يتم تناقلها من شخص لآخر عن طريق التواصل الشفوي أو عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، وهي تدور حول أشخاص أو أحداث، وتزدهر في حال غياب المعايير لتأكيد عدم تصديقها. وتزداد أوقات الحروب والأزمات والكوارث.
ومن أهم العوامل التي تؤدي إلى انتشارها أهمية الموضوع، كأن يتعلق بحياة الناس وأرزاقهم ومصائرهم، وكذلك غموض الموضوع، لأن ذلك يعطيه شيئاً من السرية والجاذبية. يشير علماء النفس إلى أن عدم اليقين من أكثر العوامل التي تزيد القلق لدى الإنسان. وعندما تنتشر الشائعات، فإنها تزيد هذا الشعور بعدم اليقين، لأن الإنسان لا يعرف أي المعلومات صحيحة وأيها غير صحيح. وقد أظهرت دراسات في علم النفس الاجتماعي أن الشائعات تنتشر غالباً في أوقات الأزمات لأن الناس يبحثون عن تفسير سريع لما يحدث حولهم.
كما أن هناك عوامل تسهم في انتشار الإشاعة وهي دوافع بعض الأفراد كجذب الانتباه اعتقاداً منهم أنها سوف تعزز من مكانتهم، أو بسبب الميل إلى العدوان على الآخرين أو المجتمع رغبة في الانتقام، كما تنتشر الشائعات بسبب القلق أو الذعر أو الخوف.
وأكثر ما يجعل الإشاعة خطيرة هو أنها تنتشر أسرع من المعلومة الصحيحة، كما وجدت دراسة في MIT أن الأخبار الزائفة تُعاد تغريدها على تويتر أسرع بنسبة 70% أكثر من الأخبار الحقيقية، والسبب الرئيسي هو الطابع العاطفي والمفاجئ للإشاعة. والمشكلة لا تكمن فقط في من يبتكر الإشاعة، بل في من يُعيد نشرها دون وعي، فيتحول من متلقٍ إلى ناقل ضرر.
من هنا، لا يكون الضرر في الإشاعة نفسها فقط، بل في استجابة الناس لها. فإعادة نشر الإشاعة، حتى بنية التنبيه أو الحذر، يساهم في تضخيمها. لكن المواجهة ليست بالمنع فقط، بل بتقديم بديل موثوق. حين تتواصل الجهات الرسمية بوضوح وسرعة، ينخفض انتشار الإشاعة. والمجتمع الواعي هو من يعلّم أفراده التريث، والتحقق، والرجوع إلى المصادر الرسمية، لا الجري وراء الروايات السريعة. وفي النهاية كل فرد يحمل مسؤولية في حماية الوعي العام: لا تروّج، لا تعيد نشر، لا تصدق إلا ما يدعمه دليل.
لهذا، فإن المسؤولية الأخلاقية تقع على الفرد الواعي؛ أن يتوقف قبل المشاركة، وأن يسأل: ما مصدر هذا الكلام؟ هل هو صادر عن جهة موثوقة؟ هل يتضمن دليلًا واضحاً؟ في زمن تتسارع فيه الشائعات عبر منصات التواصل، يصبح الرجوع إلى القنوات الرسمية ضرورة لا خيارًا، فالجهات المختصة ووسائل الإعلام الموثوقة هي المصدر الوحيد للمعلومة الصحيحة، وهي الوحيدة التي تخضع للمساءلة القانونية والمهنية. والثقة تبنى على التحقق، لا على الانجراف وراء الصوت الأعلى أو الرواية الأكثر درامية. وكل فرد مسؤول، فإعادة نشر إشاعة واحدة قد تؤدي إلى ذعر جماعي أو أذى حقيقي. لذا، فإن أول خطوة في مواجهة الإشاعة ليست الرد عليها، بل في رفض نشرها، والتمسك بالوعي، والتوجه دائماً إلى المصادر المعتمدة، والأمثلة كثيرة: في زمن الحرب، تُشاع معلومات مغلوطة عن قرارات حكومية، أو أوضاع اقتصادية، تؤدي إلى موجات من الخوف الجماعي، مثل سحب مبالغ ضخمة من البنوك، أو شراء مفرط للسلع. وفي بعض الحالات، كانت إشاعة واحدة كافية لإرباك سوق أو تقويض ثقة في مؤسسة. وفي السياق نفسه، قادت إشاعات كاذبة إلى اعتداءات، أو إساءات، أو تنمر اجتماعي، مبني فقط على معلومات غير موثقة.
وفي مجتمع مثل البحرين، حيث يسود الوعي والمسؤولية الاجتماعية، يلعب الأفراد دوراً مهماً في الحفاظ على الطمأنينة العامة. فالتعامل الحكيم مع الأخبار، والحرص على نقل المعلومات الصحيحة فقط، يسهمان في حماية المجتمع من القلق غير الضروري. وفي النهاية، من المهم أن نتذكر أن العقل الهادئ هو أفضل وسيلة لفهم الأحداث والتعامل معها بحكمة.
إن قوة المجتمعات في الأزمات لا تقاس فقط بقدراتها المادية، بل أيضاً بوعي أفرادها ومسؤوليتهم في التعامل مع المعلومات.
* أستاذة جامعية في علم النفس