تكشف الحروب أحياناً ما هو أعمق من نتائج المعارك المباشرة؛ لأنها لا تقتصر على إظهار حجم القوة العسكرية لدى هذا الطرف أو ذاك، وإنما تزيح الغطاء عن مناطق الضعف في الإقليم والعالم، وتكشف مقدار الاعتماد المتبادل بين السياسة والاقتصاد والأمن، وهذا ما يحدث اليوم بوضوح في ظل الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، وفي ظل العدوان الإيراني الذي امتد أثره إلى الخليج العربي، حيث لم تعد دول الخليج العربي تتابع صراعاً بعيداً، وإنما أصبحت طرفاً فيه وتعيش تداعياته بصورة مباشرة على الأرض، وفي البحر وفي المجال الاقتصادي.
في ظاهر المشهد، تبدو الحرب مواجهة بين أطراف محددة، لكل منها حساباته وأهدافه وأدواته، لكن عند الاقتراب أكثر، نرى أن الخليج العربي صار في قلب الارتدادات، بحكم موقعه، وبحكم ارتباطه بأسواق الطاقة العالمية، وبحكم حساسية ممراته البحرية ومنشآته الحيوية، ومن هنا، فإن أي تصعيد عسكري في هذا النطاق لا يتوقف عند حدود الرسائل المتبادلة بين المتحاربين، وإنما يتحول سريعاً إلى تهديد أوسع يطال أمن المنطقة واستقرارها، ويمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي بأسره.
في الواقع تكمن خطورة هذه اللحظة في أن الحرب كسرت الحاجز النفسي الذي كان يفصل بين "مركز الصراع" و"الأطراف المتأثرة به"، وهذا الفصل كان يمنح الناس قدراً من الطمأنينة، ويمنح الأسواق قدراً من الثقة، ويمنح العواصم مساحة للتحرك السياسي من دون خوف من ارتداد النار إليها، أما اليوم، فقد بات واضحاً أن المسافة بين القرار العسكري وبين أثره الاقتصادي والأمني أصبحت أقصر بكثير مما كان يُتصور، فصاروخ واحد، أو تهديد لممر بحري، أو استهداف لمنشأة طاقة، كفيل بإعادة رسم مزاج المنطقة والأسواق في ساعات قليلة.
ومن زاوية الخليج العربي، فإن العدوان الإيراني يطرح مسألة تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية، فحين تمتد التهديدات إلى محيطه، أو تصبح منشآته الحيوية في دائرة الخطر، فإن القضية تغدو مرتبطة مباشرة بالسيادة الوطنية، وبحق الدول في حماية أراضيها ومجتمعاتها ومصالحها، ومن هنا يتحول الأمر من تطور إقليمي إلى اختبار سياسي وأخلاقي في آن واحد، لأن أي محاولة لتخفيف خطورة هذا الاستهداف، أو تقديمه بوصفه مجرد نتيجة جانبية للحرب، تعني التساهل مع منطق خطير يفتح الباب أمام استباحة الجغرافيا العربية كلما ضاقت خيارات الأطراف المتصارعة.
غير أن الدرس الأهم في هذه الحرب لا يخص الإقليم وحده، فالعالم الذي اعتاد الحديث عن الردع، وعن توازن القوى، وعن شبكات الأمان الاقتصادية، يكتشف مرة أخرى أن بنيته أكثر هشاشة مما يبدو في الخطاب السياسي والإعلامي، فأسواق الطاقة لا تتحمل اضطراباً طويلاً في منطقة الخليج العربي، والملاحة الدولية تتأثر فوراً بأي تهديد في المضائق الحيوية، وكلفة التأمين والشحن سرعان ما تنتقل من الشركات إلى المستهلكين، ثم إلى الاقتصاد العالمي كله، وبهذا تتجاوز الحرب حدودها الجغرافية منذ لحظاتها الأولى، وتتحول إلى موجة واسعة من القلق وعدم اليقين.
وفي المقابل، تبرز أهمية الدولة الوطنية حين تواجه هذه الظروف بحكمة وثبات، كما تتأكد أهمية المجتمع حين يتعامل مع الأزمات بوعي ومسؤولية، ففي مثل هذه اللحظات، تتجلى القوة عبر كفاءة أدوات الدفاع، وعبر القدرة على حماية التماسك الداخلي، وضبط الخطاب العام، ومنع الشائعات من توسيع مساحة الاضطراب، كذلك يظل وضوح الموقف السياسي عنصراً حاسماً، لأن المراحل المضطربة تحتاج إلى خطاب يسمي الأشياء بأسمائها، ويضع العدوان في موضعه الصحيح، بروح واثقة ورؤية مستقرة.
والخليج العربي في هذا السياق، يتقدم بوصفه فضاءً سيادياً وإنسانياً واقتصادياً، لا مجرد جغرافيا تتقاطع فوقها المصالح الدولية، ففيه مجتمعات تنشد الأمن والاستقرار، وفيه دول تضطلع بمسؤولية حماية حدودها وصون مقدراتها، ومن هذا الموقع يكتسب أي عدوان عليه خطورته الكاملة، لأنه يصيب شرياناً حيوياً في المنطقة، ويرسل ارتداداته إلى الاقتصاد العالمي وموازين الاستقرار الدولي.
فما يجري اليوم لقن الجميع درساً قاسياً في فهم طبيعة النظام الإقليمي والدولي، فالعالم المعاصر، بما يملكه من مؤسسات وتحالفات وتقنيات، يواجه لحظات تكشف مقدار ارتباكه أمام القرارات المتهورة، وتضع مناطق الاستقرار في مواجهة كلفة نزاعات جاءت من خارجها، وحين تتقدم الصواريخ على السياسة، وتتحول الجغرافيا إلى ساحة رسائل نارية، تبرز الحقيقة في صورتها العارية، وهي أن العالم مهما رفع من خطاب الصلابة، انكشف عند الشدائد بوصفه أكثر هشاشة واضطراباً مما توحي به واجهته اللامعة.