- - دور قيادي للبحرين في منظمة التعاون الرقمي منذ 2020
- - «سفارة البيانات» تضمن حماية المعلومات والسيادة خارج الحدود
- - إطار قانوني متقدم يجعل البحرين نموذجاً عالمياً للتطبيق
- - بنية تحتية متطورة واتصال آمن يدعمان استمرارية الخدمات
- - تحديات إقليمية تعزز أهمية الحلول الرقمية السيادية
- - حوكمة صارمة وأنظمة مراقبة لضمان أمن البيانات واستدامتها
- - البحرين من الدول الرائدة لمبادرة «سفارة البيانات» بأول تعاون مع الكويت
تُعد مملكة البحرين عضواً مؤسساً وفاعلاً في منظمة التعاون الرقمي (DCO) منذ انطلاقها في عام 2020، وتلعب دوراً قيادياً في توجيه دفة التعاون الرقمي الإقليمي والدولي، حيث تولت البحرين رئاسة منظمة التعاون الرقمي لعام 2023، واستضافت في يناير - فبراير 2024 اجتماع الجمعية العمومية الثالث في المنامة برئاسة وزير المواصلات والاتصالات.
وفي يناير 2026، قدم السفير الشيخ علي بن عبدالرحمن آل خليفة أوراق اعتماده كأول مندوب دائم لمملكة البحرين لدى المنظمة، مما يعكس مأسسة العلاقة وتعميقها، فيما وافق مجلسا الشورى والنواب بالإجماع في أوائل عام 2025 على قانون الانضمام إلى ميثاق تأسيس المنظمة، مما يمنح العضوية إطاراً قانونياً وطنياً متكاملاً.
وتصدرت البحرين المرتبة الأولى خليجياً في «مؤشر نضج الاقتصاد الرقمي 2025» «2025 DEN» الصادر عن المنظمة، خاصة في مجالات الحوكمة الرقمية وجاهزية الاستثمار، كما صنف تقرير المنظمة لعام 2025 البحرين ضمن أسرع الدول نمواً في المنطقة في خدمات النطاق العريض والابتكار في الصيرفة الرقمية، وشاركت المملكة بفاعلية في مبادرات المنظمة مثل «جوائز الازدهار الرقمي» وبرامج تمكين الشباب والمرأة في قطاع التكنولوجيا، كما شارك وزير المواصلات والاتصالات الدكتور الشيخ عبد الله بن أحمد آل خليفة في اجتماعات المنظمة الأخيرة (أكتوبر 2025)، حيث جرى التأكيد على التزام البحرين بمبادرات مكافحة التضليل الرقمي، وإدارة النفايات الإلكترونية، ودعم الشركات الناشئة عبر أطر تشريعية موحدة.
وتبنت مملكة البحرين مبادرة «سفارة البيانات» (Data Embassy) ضمن أجندة منظمة التعاون الرقمي (DCO)، وذلك حين أعلنت منظمة التعاون الرقمي رسمياً عن اختيار مملكة البحرين لتكون الدولة الرائدة (Champion) لمبادرة سفارة البيانات.
أهداف المشروع
وتُعتبر هذه المبادرة الركيزة الأساسية لـ«أجندة البيانات» التي تتبناها المنظمة لتعزيز تدفق البيانات عبر الحدود بموثوقية، وتتمحور العلاقة حول خلق بيئة رقمية آمنة وموحدة للدول الأعضاء من خلال تمكين الدول من تخزين بياناتها الحيوية في مراكز بيانات آمنة خارج حدودها الوطنية (في دول حليفة) مع ضمان الحصانة القانونية والسيادة الكاملة عليها.
وكذلك ضمان قدرة الحكومات على الوصول إلى أنظمتها وبياناتها في حالات الطوارئ أو الأزمات المادية والسيبرانية، حيث تعمل المنظمة عبر هذا المشروع على وضع معايير دولية وبروتوكولات موحدة لمعالجة وتخزين البيانات على خوادم دولية.
نموذج البحرين الرائد
تمتلك البحرين إطاراً قانونياً متقدماً (قانون الحوسبة السحابية لعام 2018) يسمح للأطراف الأجنبية بإنشاء سفارات بيانات لديها، حيث تخضع هذه البيانات لقوانين الدولة الأصلية للمستثمر وليس لقوانين البحرين، مما جعلها النموذج المثالي الذي تعممه المنظمة، وقد عززت البحرين هذا التوجه مع بداية العام الجاري بتوقيع خطابات نوايا (مثل التعاون مع الكويت) لتطبيق هذا المفهوم عملياً تحت مظلة المنظمة.
وحول ماهية المبادرة، أوضح الخبير التقني والمستشار التنفيذي لمركز سمو الشيخ ناصر للبحوث والتطوير في الذكاء الاصطناعي، د. جاسم حاجي أن سفارة البيانات هي حل تقني وقانوني يسمح للدولة بتخزين بياناتها الحساسة والسيادية في خوادم (Servers) تقع خارج حدودها الجغرافية (في دولة أخرى أو في سحابة عامة)، ولكن مع تمتع هذه البيانات بـ الحصانة الدبلوماسية الكاملة، تماماً مثلما تخضع السفارات الفعلية لسيادة دولها الأصلية.
وأشار إلى أن الهدف من اعتماد هذه المبادرة هو ضمان عمل الخدمات الحكومية حتى في حال تعرض الدولة لكوارث طبيعية، أو هجمات سيبرانية شاملة، أو غزو عسكري يعطل مراكز البيانات المحلية، وقال إنه يتم توقيع اتفاقيات ثنائية تضمن عدم قدرة الدولة المستضيفة على الولوج للبيانات أو مصادرتها تحت أي ظرف قانوني محلي، ويكون تشفير البيانات بمستويات عسكرية بحيث لا يمكن فك تشفيرها إلا من قبل الدولة الأم، مع مراقبة حية للوصول الفيزيائي للخوادم.
البنية التحتية لسفارة البيانات
وحول مكونات «سفارة البيانات» أفاد د. حاجي بأنها تتكون من عدة مكونات أساسية، فيجب أن تمتلك سفارة البيانات بنية تحتية آمنة ومرنة للبيانات قادرة على حماية بيانات الدولة من التهديدات السيبرانية والتهديدات المادية، كما ينبغي أن تحتوي على آليات قوية لضمان النسخ الاحتياطي الفعال للبيانات وقدرات الاستعادة التلقائية عند حدوث الأعطال (Fail-over).
وبدلاً من تخزين البيانات في منشأة واحدة قد تظل عرضة للمخاطر، فإن طبيعة تقنيات الحوسبة السحابية تشجع الحكومات على الاستفادة من بنية تحتية عالمية توفر أعلى مستويات الموثوقية والمرونة.
وقال الخبير التقني د. حاجي إن التقنيات السحابية اليوم تتيح للمؤسسات إنشاء نسخ احتياطية للبيانات وخدمات مكررة حتى عبر مسافات جغرافية شاسعة، وتحدد الاتفاقية الدبلوماسية بين الدولة المالكة للبيانات والدولة المستضيفة ثلاث ركائز رئيسية للسيادة على موقع الاستعادة:
1. سيادة البيانات (Data Sovereignty): تحتفظ الدولة المالكة بالوصول الكامل إلى بياناتها وبالسيطرة عليها، وتكون هذه البيانات محمية وغير خاضعة لسلطة الدولة المستضيفة القضائية. ويمكن تحقيق ذلك من خلال احتفاظ الدولة بالتحكم الكامل في مفاتيح التشفير المستخدمة لفك تشفير البيانات.
2. السيادة التشغيلية (Operational Sovereignty): تمتلك الدولة المالكة رؤية مستمرة وسيطرة تشغيلية على عمليات المزود، ويمكنها الاستمرار في تشغيل خدماتها حتى في الظروف الاستثنائية أو الأزمات الشديدة.
3. السيادة البرمجية (Software Sovereignty): تستطيع الدولة المالكة اختيار المكدس التقني (Technical Stack) والبرمجيات التي تعمل عليها أنظمتها دون الاعتماد على البرمجيات الخاصة بمزود الخدمة.
بنية تكرار البيانات
وكشف د. حاجي عن اعتماد سفارات البيانات عادةً على بنى متقدمة لتكرار البيانات تضمن المزامنة المستمرة بين الأنظمة الأساسية في الدولة الأم والبنية التحتية للسفار، ومن خلال تقنيات مثل التكرار الجغرافي الفوري أو شبه الفوري، يمكن عكس قواعد البيانات الحيوية والخدمات الرقمية عبر بيئات منفصلة جغرافياً.
ويسمح ذلك للبنية التحتية لسفارة البيانات بالاحتفاظ بنسخة تشغيلية محدثة من الأنظمة الوطنية، ويضمن إمكانية استعادة الخدمات الحكومية بسرعة في حال تعطل البنية التحتية الأساسية.
الاتصال الشبكي الآمن
وقال د. حاجي إن الاتصال الشبكي الآمن بين الدولة الأم والبنية التحتية لسفارة البيانات يعد عنصراً أساسياً، وغالباً ما تنشئ الحكومات قنوات اتصال مشفرة ومخصصة مثل خطوط الألياف الضوئية الخاصة (private fiber links)، أو الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN)، أو شبكات النطاق الواسع المعرفة برمجياً (SD-WAN) لضمان نقل البيانات بشكل موثوق وآمن، وتضمن هذه الاتصالات انتقال المعلومات الحساسة بين البيئات المختلفة بزمن استجابة منخفض مع الحفاظ على حمايتها من الاعتراض أو الوصول غير المصرح به. وأضاف: «يجب تصميم بيئات سفارات البيانات بمستويات عالية من التكرار البنيوي لضمان التشغيل المستمر للخدمات الوطنية الحيوية، ويشمل ذلك مصادر طاقة احتياطية، ومولدات كهربائية احتياطية، ومسارات شبكة متعددة، وأنظمة تخزين موزعة قادرة على تحمل الأعطال دون انقطاع الخدمة، ومن خلال تطبيق هياكل التوافر العالي، تستطيع الحكومات ضمان استمرار عمل الأنظمة الحيوية حتى في حال تعطل بعض مكونات البنية التحتية».
وحول مراقبة البنية التحتية وإدارة الأداء لسفارة البيانات، أكد الخبير التقني أنه يتطلب ضمان الموثوقية التشغيلية مراقبة مستمرة لأداء الأنظمة وصحة البنية التحتية، وقال: «غالباً ما تنشر الحكومات منصات مراقبة مركزية تقوم بتتبع مؤشرات النظام مثل استخدام الموارد، وزمن استجابة الشبكة، وسعة التخزين، وتوافر الخدمات، وتوفر هذه الأنظمة إنذاراً مبكراً للمشكلات المحتملة، مما يسمح للمشغلين باتخاذ إجراءات تصحيحية قبل أن تؤثر الاضطرابات على الخدمات الحيوية».
بنية أمنية عالية المستوى
وعادةً ما تتم استضافة سفارات البيانات داخل مراكز بيانات عالية الأمان تلبي المعايير الدولية المعترف بها للبنية التحتية الرقمية، وفي كثير من الحالات، توفر الدولة المستضيفة مرافق مراكز بيانات من الفئة Tier IV، وهي أعلى تصنيف من حيث الموثوقية والمرونة في البنية التحتية الحديثة، وأوضح د. حاجي أنه يتم تصميم مرافق Tier IV بأنظمة احتياطية كاملة للطاقة والتبريد والشبكات والتخزين، مما يسمح بالتشغيل المستمر حتى أثناء عمليات الصيانة أو الأعطال غير المتوقعة، ويضمن هذا المستوى من الموثوقية توافراً عالياً للغاية للبنية التحتية، حيث تصل نسبة الجاهزية التشغيلية إلى 99.995%، وهو أمر أساسي لاستضافة الأنظمة الوطنية الحساسة.
الأسس القانونية لسفارات البيانات
وبحسب د. حاجي فإن الإدارة التشغيلية لسفارة البيانات تتطلب هياكل حوكمة واضحة وآليات إشراف أمني دقيقة، فيجب على الحكومات الحفاظ على سيطرة مستمرة على عمليات البنية التحتية، والوصول الإداري، وتكوين الأنظمة، والإجراءات التشغيلية، وعادةً ما يتم تنظيم الوصول إلى الأنظمة الحساسة باستخدام آليات مثل التحكم بالوصول المعتمد على الأدوار (RBAC)، والمصادقة متعددة العوامل (MFA)، وإدارة الوصول المتميز (Privileged Access Management) لضمان أن يتفاعل فقط الأشخاص المخولون مع المكونات الحساسة للبنية التحتية.
إضافة إلى ذلك، يتم نشر أنظمة مراقبة مستمرة لتتبع أداء البنية التحتية والأنشطة الإدارية والتهديدات الأمنية المحتملة في الوقت الفعلي. وتتيح منصات مراقبة الأحداث الأمنية، وآليات تسجيل التدقيق، وإجراءات الاستجابة للحوادث للمشغلين اكتشاف الأنشطة المشبوهة، والتحقيق في الحالات غير الطبيعية، والاستجابة للتهديدات بسرعة.
وتساعد هذه الممارسات الخاصة بالحوكمة والمراقبة في ضمان بقاء بيئة سفارة البيانات آمنة وشفافة ومتوافقة مع السياسات الوطنية للأمن والتشغيل.
الأسس القانونية في القانون الدولي
من الناحية القانونية، تمثل سفارات البيانات مفهوماً ناشئاً في القانون الدولي يوسع نطاق الحماية الدبلوماسية التقليدية ليشمل المجال الرقمي. وغالباً ما يستلهم نموذج الحوكمة لهذه المبادرات من مبادئ اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، التي تحدد الحماية القانونية للبعثات الدبلوماسية في الخارج.
وفي سياق سفارات البيانات، يتم تطبيق مبادئ مشابهة على البنية التحتية الرقمية، بحيث تُمنح الأنظمة والبيانات المستضافة في الولاية القضائية الأجنبية مستويات معينة من الحماية، ويساعد هذا الإطار القانوني على ضمان بقاء البنية التحتية المستضافة تحت سلطة وحماية الدولة الأصلية، مع استمرار تشغيلها داخل أراضي دولة شريكة.