بقلم : عيسى الحمادي
بقلبٍ منصفٍ، ولسانٍ صادقٍ، بين يدي الله جلّ جلاله الذي لا تخفى عليه خافية؛ إنّا لنرى من أعاجيب هذا الزمان ما تختلط فيه الأصوات، وتضطرب فيه الرايات، حتى يلتبس الحق بالباطل، ويتزيّا الباطل بزيّ الحق؛ نظامٌ ثيوقراطيٌّ فُرِض في طهران قسرًا، واتخذ من تحرير فلسطين عنوانًا، ومن الخطاب الفارغ منبرًا، وهو في الواقع قد بذر الفتنة، ونمّى الطائفية، ومؤسس الفئوية، وشقّ من الزيف نهرًا، ومن الباطل ممرًّا، ليُحوِّل المال الذي كان أصلُه موردًا تعبُّديًا إلى مالٍ سياسيٍّ يُصَبُّ في حوضه الفارسي، بعدما كان يجري في الحصن العربي مجراه الشرعي؛ حتى خُيّل للسامع أنّه للنصر باب، وللفتح أسباب، فإذا نظرت إلى فعله، وجدته نقيض قوله، وباطنه ضدّ ظاهره، فكأنّ قوله صخبٌ بلا صدق، ومشهده عرضٌ بلا موقف.
وما رأينا له، على علوّ ضجيجه وامتداد صيته، سهمًا في ميادين المواجهة، ولا أثرًا في ساحات المدافعة، بل رأيناه يصبّ بأسه في ديار العرب، ويُرسل بأسه على أوطانهم، يُشعل نار الفتنة، ويُؤجّج شرر الفرقة، ويُعمّق جراحًا صعبٌ أن تندمل، حتى غدا الخراب دليله، والاضطراب سبيله؛ وصنع من الوهم أبطالًا، ومن الضجيج أمثالًا، حتى رُفعوا إلى مقام البطولة الزائفة، لا بصدق الفعل، بل بكثرة القول، ولا بميزان الحق، بل بارتفاع الصوت.
وفي خضمّ هذا الصخب، وبين بريق الشعار وزيف الادّعاء، ولا سيّما ادّعاء تحرير فلسطين الذي اتّخذه ذلك النظام رايةً زائفةً، وشعارًا خادعًا، انجرف بعض أبناء العروبة، فمالوا مع الضجيج حيث مال، وانقادوا للوهم حيث قاد، فإمّا مؤيّدٌ يُعلن، أو ساكتٌ يُضمر، لا ينكر عدوانًا، ولا يردّ باطلًا، وقد أصاب دول الخليج العربي من ذلك النظام عدوانٌ آثم، وهجومٌ ظالم؛ فاختلط عندهم الميزان، واضطرب عندهم البرهان، حتى صار الشعار عندهم دليلًا، لا الفعل، والضجيج حُجّة، لا العقل.
وفي المقابل، أقام ذلك النظام، وهو إلى الزوال بإذن الله صائر، بنيانه على فكرٍ فئويٍّ يفرّق ولا يجمع، ويستنزف ولا يرفع؛ فجعل الدين مطيّةً للجباية، لا سبيلًا للهداية، واستخرج من الفقراء أقواتهم، وسلب من المساكين حقوقهم، تحت شعاراتٍ ظاهرها التعبّد، وباطنها التملّك، حتى صارت أموالهم وقودًا لمشاريع لا تبني، وسلاحًا لأجندات لا تُغني، فلا دولة تُقام، ولا رفاه يُدام، بل عبثٌ يُدار، وخرابٌ يُستعار.
ولمّا خشي هذا النهج انكشاف أمره، وانفضاح سرّه، أمام أهل العلم والحكمة من العرب وأبناء الخليج العربي، مهد الإسلام ومنبع الاعتدال، لم يجد إلا سلاح التكفير والتخوين، يرفعه في وجه كل عاقل، ويُشهره في وجه كل فاضل؛ لا لفسادٍ في قولهم، بل لخوفٍ على سلطانٍ يزول، ومالٍ سياسيٍّ يَحول، فصار الاعتدال تُهمة، والحكمة جريمة، لا لأنّها باطلة، بل لأنّها كاشفة؛ بل تجاوز ذلك إلى أن حارب من لم يؤمن بالولاية له، وخالف نهجه وسلك غير سبيله، فجعل الولاء ميزانًا، لا الحق، والانقياد معيارًا، لا البرهان، حتى ضاق صدره بالمخالف، وإن شاركه في الانتماء، وعاداه، وإن وافقه في الأصل والولاء.
ثم فلننظر إلى مسلكٍ آخر سلكته دول الخليج العربي، دول النماء والازدهار، إذ اختارت طريق العقل، وسلكت سبيل الرشد، فرأت أن السلام، وإن شقّ، خيرٌ من حربٍ تُرهق، وأن حفظ الأرواح أولى من شعاراتٍ تُزهق؛ فسعت إلى ما يعيد الأرض والحقوق، ويحقن الدماء ويصون العروق، ولم تجد في كتاب الله تحريمًا لصلحٍ يُحقن به الدم، بل وجدت أن المقصود دفع الظلم، وردّ الحق، وصون الكرامة، لا إدامة الخصام.
وهكذا اجتمع في مسلك ذلك النظام فسادُ الدعوى، واضطرابُ الفعل، وسوءُ القصد؛ خطابٌ يعلو بلا حق، وفعلٌ يخلو من صدق، ومنهجٌ يُقصي العقل ليبقى الوهم، ويُحارب الحكمة ليستمر الوهم؛ ولو كان فيه من الحق نصيب، لما احتاج إلى هذا الضجيج، ولا إلى ذلك التكفير، ولا إلى تلك الجباية، ولكنها سنّة الزيف: يعلو صوته إذا خفتت حجّته، ويشتدّ إرهابه إذا ضعف برهانه.