اليوم، تُقاس الحروب الحديثة عبر قدرتها على خنق الحياة اليومية للناس وتصعيبها، قبل أن تُقاس بعدد الصواريخ التي تُطلق أو المواقع التي تُستهدف.
وما يحدث اليوم في خليجنا العربي بات يتعدى المواجهة العسكرية، فالنظام الإيراني يمضي بكل صلافة لافتعال حرب اقتصادية تستهدف الأمن الغذائي والمعيشي للشعوب، وذلك عبر السيطرة على الممرات البحرية وتحويلها إلى أدوات ضغط وابتزاز.
إغلاق مضيق هرمز، وتقييد المرور فيه، مثّل تحولاً استراتيجياً في طبيعة هذه الحرب، بالتالي كان لابد وأن يتدخل المجتمع الدولي؛ فـ»هرمز» شريان عالمي تمر عبره أعداد مهولة من تجارة الطاقة والبضائع.
وعندما يُطرح منطق «العبور بشروط»، فإننا نكون أمام محاولة فرض واقع جديد يقوم على تسييس الملاحة الدولية، وتحويلها إلى ورقة تفاوض بالقوة.
هل ما يحصل هو إدراك إيراني ولو متأخر لـ «ميزان القوى»، وأنه يجب ضرب الاقتصاد والغذاء بشكل أقوى؟!القراءة السياسية تمضي في هذا الاتجاه نتيجة المعطيات، إذ حين تتعذّر المواجهة المباشرة بكلفة مقبولة، يتمّ نقل الصراع إلى المساحات التي تتقاطع فيها مصالح العالم كله.
بمعنى آخر، بدل أن تكون المواجهة محصورة في جغرافيا محددة، يتمّ توسيعها لتصبح أزمة دولية تمسّ الطاقة، وسلاسل الإمداد، وأسعار الغذاء. هذا ما فعله النظام الإيراني في محاولة لرفع كلفة الصراع على الجميع، بحيث يتحول الضغط على إيران إلى ضغط عالمي على الاستقرار الاقتصادي.
الخطر لا يقف عند مضيق هرمز. فالتصريحات والتحركات الأخيرة للحوثيين في اليمن تكشف عن بُعدٍ أكثر تعقيداً في المشهد. دخول هذا الطرف المزعج في المعادلة لربما يفتح احتمال استهداف مضيق باب المندب كورقة ضغط إضافية.
هذا الممر تحديداً يمثّل حلقة وصل حيوية بين البحر الأحمر وخليج عدن، وأي اضطراب فيه سينعكس مباشرة على حركة الملاحة نحو قناة السويس، أحد أهم الشرايين التجارية في العالم.
صحيح أن سيناريو تعطيل باب المندب أو التأثير المباشر على مسارات السويس قد يبقى في إطار التحليل الافتراضي، لكن التجارب القريبة تؤكد أن مجرد التهديد كفيل بإرباك الأسواق ورفع كلفة الشحن والتأمين. ومع وجود أذرع إقليمية قادرة على تنفيذ عمليات غير تقليدية، فإن تجاهل هذه الاحتمالات مغامرة غير محسوبة.
هذه هي عملية «إعادة تعريف» لمفهوم الحرب. أمامنا مؤشرات لحرب تستهدف الاقتصاد، وتستهدف سلاسل الإمداد، وتضغط على معيشة الناس بشكل مباشر.
وفي هذا السياق، تصبح السفن التجارية أهدافاً غير معلنة، وتتحول الموانئ والمضائق إلى ساحات صراع مفتوحة.
السؤال الأهم، أين تقف الإرادة الدولية؟! إذ حماية الممرات البحرية ضرورة استراتيجية لحماية النظام الاقتصادي العالمي.
وهنا لا يمكن القبول بأن تتحول المضائق الدولية إلى مناطق نفوذ تُدار بمنطق القوة، و»القرصنة» أو أن يُفرض على العالم واقع جديد تتحكم فيه دولة أو جماعة مسلحة بمصير التجارة العالمية.
مواجهة هذا التهديد يتطلب موقفاً دولياً حازماً يُعيد التأكيد على مبدأ حرية الملاحة، ويضع حدوداً واضحة لأي محاولة لابتزاز العالم عبر الاقتصاد، ويجعل الجميع سواسية أمام هذه الحدود.
كما يتطلب بناء منظومة ردع متكاملة، لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تشمل القانون الدولي والتحرك الدبلوماسي الفاعل.
أخطر ما يواجه منطقتنا الخليجية والعربية في هذه المرحلة، هو تُرك هذا المسار دون ردع، وأعني هنا المسار الاقتصادي. لأن الحرب حين تصل إلى خبز الشعوب، فإنها تهدّد استقرار العالم بأسره.