إذا ما الدهرُ جرَّ على أناسٍ

حوادثه أناخَ بآخرينا

فقل للشامتين بنا أفيقوا

سيلقى الشامتون كما لقينا

في البدء كانت الحكاية وستظل، شريطاً لا يكفّ عن الإعادة... لقطة متجمّدة في الوعي، عصيّة على النسيان رغم مرور ستةٍ وثلاثين عاماً.

مشهدٌ دراميٌّ موجع، من فيلمٍ واقعيٍّ لا ينتهي؛ سكونٌ كثيف، ثم صوتٌ جهوريٌّ يشقّه صوت المخرج: (أكشن)... لتندفع الجحافل، ويبدأ الغزو العراقي للكويت!!

في كادرٍ متقاطع، يطلّ (إخوةُ يوسف)... دمٌ واحد ولسانٌ واحد، غير أنّ القلوب شتّى. يجتمعون في البيت العود— أو ما تعرف بجامعة الدول العربية—لا لنجدة الضحية، بل للتحلّق حول جسدها. تزاحمٌ على الفريسة؛ كلٌّ يمدّ يده ليقتطع نصيباً. كُثْرٌ هم... لكنهم كغثاءِ السيل، بينما إخوتها الخمسة يقفون على الأطراف، يدفعون هذا ويصدّون ذاك..

تمضي السنوات، وتبقى الأحداث ندوباً محفورةً في الذاكرة؛ كأنّ الزمن يدور في حلقةٍ مفرغة، ليعيد التاريخ نفسه، لكن هذه المرّة بصورةٍ أكثر عبثية... وأكثر سواداً.

المشهد الأول: صواريخ ومسيّرات، ودماءُ أبرياء تسيل دماؤهم..

المشهد الثاني: ملالي إيران، الذين يتخذون من جثث المدنيين الأبرياء مبرراً لتأكيد رغبتهم في المضي قدماً في تصدير الثورة، ومعه يختفي صوت الحكمة والعقل الذي يحاول أن ينبّه الجميع إلى أننا لسنا طرفاً في هذه الحرب، وإذا نشبت فكلّنا ضائعون..

المشهد الثالث: العرب بين صمتٍ مُريب، أو حضورٍ خافتٍ بلا أثر؛ كأنّ الدم لا يُرى، وكأنّ النار لا تقترب ولا تحيط بالجميع..

المشهد يتكرر؛ خيم صمت القبور، تبدّلت الوجوه، بعد أن شاهت، لكن المواقف لم تتبدل.. هذه المرة، الضحية ليست واحدة أو اثنتين، بل ستّاً.

لن أسألك عن سرّ صمتك في جريمتك الأولى، وأنت تشاهد دماء الأبرياء من الشعبين الكويتي والعراقي وهي تسيل، ولن أكثِّف عليك همّاً أنت تحياه؛ لأنّي، والذي نفسي بيده، ما زلت أتلمّس أملاً ولو ضئيلاً في نخوتك العربية، لذا سأتركك لضميرك، إن كنت ما زلت تحتفظ ببقايا ضمير، لكن على الأقل دعني أسألك سؤالاً واحداً وأخيراً: ما سرّ صمتكم عن الجريمة الأبشع هذه المرّة؟!

ما حجّتكم؟

في الأولى كان الخلاف عربياً.. طيب وفي الثانية.. ما هو المبرّر هذه المرة؟

هل استعرب الفُرس وانضمّوا إلى جامعة الدول العربية ونحن الخليجيون آخرُ من يعلم؟

إن كان ذلك، فلا لومَ عليكم ولا عتاب.

ونصيحة وببلاش، من لطف القدر أنّه يظهر لنا في هيئة دروسٍ وعِبر؛ ليعلّمنا- على أمل أن نتعلّم- وكأنّه يهمس لنا: (تركوا عنكم الطيبة الزائدة، ووفّروا أموالكم لأبنائكم؛ فما يحتاجه البيت يحرم على الجامع).

فاعتبروا يا أولي الألباب..

وصدقوني، ما من أحد في العالم يحاط بكل هذا الكذب، ويعيش وسط هذا النفاق والرياء وبيانات (حلق حوش)، ويبقى على طبعه الأصيل، ما لم تكن تعاني من الآفة..

وآفةُ الخليجيين النسيان..

نعم ننسى أنهم على الدوام، يرون أنفسهم في كفّةٍ ونحن في كفّةٍ أخرى؛ يتصوّرون أنهم وحدهم العرب، أمّا نحن فمجردُ بدوٍ.

ويظنّون أن هذا الوصف يُغضبنا!

لكن الحماقة ستظل دائماً تعيي من يداويها، فمن بعد صمتهم المُخزي، يخرج علينا من بين ظهرانيهم، وتحت سمعهم وبصرهم سيلٌ من السوشيال ميديا؛ كأنّه نهرٌ جارف يمتدّ من النيل إلى الفرات، ومن وهران إلى صنعاء، يشمت في دول مجلس التعاون، ويتمنّى لها الدمار والفناء.

ولا تبدو تلك «الحملات» مستقلةً أو عفوية، بل متقنة ومحكمة، شأنها شأن كلّ ما هو مُوجَّه، يقودها إعلاميون وكتاب ومثقفون ونخب سياسية.

وهنا أودّ بل أرغب، بل أُلِحّ إلحاحاً، أن أسأل أخي العربي: لماذا كلّ هذا الحقد على الخليجيين؟

يا ناس يا هو، نحن عرب، والله العظيم عرب..

يسألني صديق: هل ما زلت مؤمناً بالقومية العربية والوحدة العربية؟ فأجيبه أنني لن أتحدث عن الشعارات التاريخية والأغاني الوطنية التي سببت لي قرحةً في المعدة، والتي كانت تثير عندك السخرية.

لكن، من الآن فصاعداً، إذا سمعتني أردد هذه الشعارات، فلا تترك في بدني شبراً إلا وفيه ضربة سيف أو رمية سهم أو طعنة رمح.

طيب، ومن أين آتيك بالسيف؟

يا سيدي أنا من سيأتيك بالسيف، بعد أن تتعلم رمي السهم وكيفية الطعن بالرمح!

وأقولها لأختم مقالي: المواقف في اللحظات التاريخية والمصيرية حق مكفول للجميع، حاكماً ومحكوماً، وذمة التاريخ تتسع للجميع، وما دمت اتُّخِذَت القِيَم مَطيّة، فأنت حرٌّ بما تشاء.

لكن لا تحدثني عن المبادئ، ولا تضحك عليّ مثل كل مرة، وتقول إن أمن الخليج جزء من الأمن القومي العربي، ووحدة المصير المشترك والتضامن العربي، ولا تقعد تطك حنك على أنغام أغنية "الحلم العربي”، لأن حينها سأقول لك: (جو تو هيل).