يأتي الاحتفاء باليوم العالمي لصفر مخلفات ليجدد التأكيد على أهمية التحول نحو أنماط إنتاج واستهلاك أكثر استدامة، تقوم على منع وتقليل المخلفات وتعظيم الاستفادة من الموارد، في إطار الاقتصاد الدائري الذي أصبح خياراً استراتيجياً لمواجهة التحديات البيئية العالمية.
إن التحديات البيئية التي يشهدها العالم اليوم، وعلى رأسها تغير المناخ وتزايد كميات المخلفات المتولدة من عدة مصادر تحت ظروف مختلفة، تفرض علينا إعادة التفكير في إدارة أكثر استدامة للموارد وسبل الحفاظ عليها.
وتشير التجارب العالمية إلى أن منع وتقليل المخلفات من المصدر وإعادة تدويرها يسهمان بشكل مباشر في خفض الانبعاثات الكربونية، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد والحفاظ عليها، وخلق فرص اقتصادية مستدامة جديدة قائمة على الابتكار الأخضر المعزز للاقتصاد الدائري.
وفي هذا السياق، تبرز جامعة الخليج العربي كنموذج إقليمي رائد في تبني ودعم مفاهيم الاستدامة والإدارة البيئية وإدارة الموارد والمخلفات، حيث تبنت الجامعة رؤية مستدامة واضحة تقوم على بناء القدرات البشرية وتعزيز الابتكار في مجالات البيئة والتقنيات الخضراء لصناعة مستقبل أكثر استدامة.
وقد أطلقت الجامعة برامج أكاديمية واحترافية متخصصة، من أبرزها الدبلوم الاحترافي في إدارة المخلفات، الذي يُعد من البرامج النوعية على مستوى المنطقة، ويهدف إلى تأهيل كوادر قادرة على التعامل مع التحديات البيئية المعاصرة.
لقد حظي هذا البرنامج بإقبال واسع -منذ تأسيسه في 2021- من مختلف دول مجلس التعاون الخليجي، وبدعم من منظمات دولية مرموقة كبرنامج الأمم المتحدة للبيئة مكتب غرب آسيا، واعتمادية معهد تشارترد لإدارة المخلفات بالمملكة المتحدة كأول برنامج معتمد في المنطقة، كما أسهم في تخريج متخصصين يعملون في قطاعات متعددة، من الصناعة إلى التعليم والاستثمار، ساهموا بتطوير ممارسات الإدارة المستدامة للمخلفات في دولهم ما يعكس أثره الإقليمي الواسع.
ومن خلال المشاريع البحثية التطبيقية، يناقش الطلبة قضايا حيوية متعلقة بالإدارة المستدامة للنفايات بأنواعها الخطرة وغير الخطرة من جميع مصادرها البلدية المنزلية والصناعية والطبية والزراعية والتجارية، بما يعزز الربط بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي.
وفي هذا السياق، تبرز جامعة الخليج العربي كنموذج إقليمي رائد في تطوير الكفاءات المتخصصة في إدارة المخلفات، من خلال برنامج الدبلوم المهني في إدارة المخلفات الذي حقق إنجازات نوعية على المستويات الخليجية والإقليمية والدولية.
فمنذ إطلاقه في عام 2021، استطاع البرنامج أن يرسخ مكانته كأحد البرامج المهنية المتخصصة والنادرة في المنطقة، حيث حظي بدعم برنامج الأمم المتحدة للبيئة، واعتماد جهات دولية متخصصة في إدارة المخلفات، الأمر الذي يعكس جودته ومواءمته للمعايي.
كما تم طرحه بنظام تعليمي مرن يجمع بين الحضور المباشر والتعليم الافتراضي، مما أتاح استقطاب مشاركين من مختلف دول مجلس التعاون الخليجي.
وقد شهد البرنامج إقبالاً واسعاً من الكوادر العاملة في قطاعات حيوية، حيث ضمت دفعاته مشاركين من مؤسسات كبرى في مجالات الصناعة والطاقة والصحة والبلديات، مثل شركات النفط والألمنيوم والطيران والجهات الحكومية كالبلديات والمؤسسات الأكاديمية والتجارية والمستشفيات، ما يعكس ارتباطه المباشر باحتياجات سوق العمل ويُعد تأهيل مايقارب 110 متخصصين من دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية خطوة مهمة نحو بناء قاعدة من الخبراء القادرين على قيادة التحول البيئي في مؤسساته ودولهم.
ولا يقتصر تميز البرنامج على الجانب الأكاديمي، بل يمتد إلى الجانب التطبيقي؛ إذ يعتمد على إعداد مشاريع عملية يقدمها المشاركون لمعالجة تحديات حقيقية في بلدانهم وبيئات عملهم، بما يعزز نقل المعرفة إلى التطبيق الفعلي، ويسهم في تطوير حلول مبتكرة لإدارة المخلفات.
كما يتضمن البرنامج زيارات ميدانية لمواقع إعادة التدوير ومعالجة النفايات، بما يربط بين النظرية والتطبيق ويعزز الخبرة العملية لدى الدارسين.
وعلى مستوى الإنجازات، نجح البرنامج في:
- تخريج عدة دفعات من المتخصصين الذين يمثلون نخبة من الكوادر في القطاعين العام والخاص.
- بناء شبكة إقليمية من الخبراء في إدارة المخلفات عبر دول الخليج.
- دعم المؤسسات في تطوير خطط واستراتيجيات لإدارة النفايات وتقليل الهدر.
- تعزيز الوعي المؤسسي بأهمية التحول نحو الاقتصاد الدائري.
أما على صعيد دوره في تعزيز التنمية المستدامة، فإن البرنامج يسهم بشكل مباشر في تحقيق عدد من الأهداف، أبرزها:
- تقليل الأثر البيئي للمخلفات من خلال تبني ممارسات الإدارة المتكاملة.
- تعزيز الاقتصاد الدائري عبر إعادة الاستخدام والتدوير واسترداد الموارد.
- دعم الابتكار البيئي من خلال تطوير حلول تقنية مستدامة.
- بناء القدرات البشرية القادرة على قيادة التحول نحو مدن ومؤسسات أكثر استدامة.
وقد حرصت جامعة الخليج العربي على تطوير البرنامج باستمرار، حيث أطلقت عدة نسخ متتالية منه، في إطار رؤية تهدف إلى تأهيل الكوادر لمواجهة التحديات المستقبلية، وتعزيز استخدام التكنولوجيا الخضراء، وترسيخ مفاهيم الاقتصاد الدائري في المنطقة.
إن تجربة هذا الدبلوم تمثل نموذجاً ناجحاً للتكامل بين التعليم الأكاديمي والتطبيقي، وتسهم في تحويل المعرفة إلى أثر ملموس على أرض الواقع. ومع تزايد التحديات البيئية، تبرز أهمية هذه المبادرات في إعداد جيل من المتخصصين القادرين على إحداث التغيير، والمساهمة في بناء مستقبل خالٍ من المخلفات.
وفي الختام، فإن تحقيق هدف «صفر مخلفات» يتطلب تضافر الجهود بين الأفراد والمؤسسات، ويظل الاستثمار في التعليم والتأهيل النوعي -كما تقدمه جامعة الخليج العربي- أحد أهم مفاتيح الوصول إلى هذا الهدف، نحو بيئة أكثر استدامة واقتصاد أكثر كفاءة.
إن تجربة جامعة الخليج العربي تؤكد أن المؤسسات الأكاديمية ليست فقط مراكز للتعليم، بل هي محركات للتغيير المجتمعي، وشركاء فاعلون في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. ومن خلال الاستثمار في التعليم البيئي، والبحث العلمي، وبناء الشراكات، يمكن إحداث تحول حقيقي نحو مجتمعات خالية من المخلفات.
وفي الختام، فإن تحقيق هدف «صفر مخلفات» هي مسؤولية مشتركة، والتزام جماعي يبدأ من الفرد، ويمتد إلى المؤسسات، والمجتمعات، ويعتمد على الوعي وأنماط الاستهلاك، والحوكمة والتشريعات الداعمة، والابتكار من أجل استدامة الموارد.
ومع استمرار الجهود الإقليمية والدولية في هذا المجال، ويظل الاستثمار في التعليم والتأهيل النوعي—كما تقدمه جامعة الخليج العربي—أحد أهم مفاتيح الوصول إلى هذا الهدف، نحو بيئة أكثر استدامة واقتصاد أكثر كفاءة. لتبقى جامعة الخليج العربي نموذجاً يُحتذى به في قيادة هذا التحول رغم التحديات نحو مستقبل أكثر استدامة ونقاءً للأجيال القادمة.
* الأستاذة المساعدة في الهندسة البيئية - مديرة مركز الاتصال المؤسسي بجامعة الخليج العربي