قال المحلل السياسي الكويتي د. فهد الشليمي إن المرحلة الحالية تمثل منعطفاً حساساً في ظل تصعيد إقليمي متسارع، لافتاً إلى أن النظام الإيراني يقاد أيديولوجياً بما يقوض فرص التهدئة، ويضع المنطقة أمام مرحلة حاسمة تتطلب وضوحاً في المواقف وتعزيزاً للتماسك الداخلي.
وأضاف د. الشليمي في حوار مع «الوطن» أن الكويت تعيش حالة من الاستقرار، ومعنويات شعبها مرتفعة، وثقة كاملة بالمؤسسات الأمنية والعسكرية، في ظل جاهزية عالية وقدرة على إدارة الأزمات.
وتابع أن لا جدوى من التعامل مع نظام تحكمه أيديولوجيا تبرر الإرهاب والتوسع، وأن إيران لا يقودها سياسيون بقدر ما تتحكم بها تيارات متشددة تفرغ أي خطاب تهدئة من مضمونه، مشدداً على أن التعامل مع طهران يجب أن يكون حصراً عبر مؤسسات الدولة الرسمية، لا عبر أذرع الحرس الثوري، معتبراً أن إيران اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الدمار الشامل نتيجة سياساتها، أو الاتجاه نحو إعادة الإعمار وبناء علاقات طبيعية مع دول الجوار، خصوصاً أن النظام الإيراني أضر بنفسه داخلياً قبل أن يخسر نفوذه الإقليمي.
وأشار إلى أن أي اتفاق مع إيران يجب أن يشمل دول الخليج العربي كطرف متضرر وضامن للاستقرار، مع ضرورة أن يكون لها دور مباشر في أي ترتيبات مستقبلية، لافتاً إلى أن دول الخليج قد تتجه لفتح ملف التعويضات عن الأضرار التي لحقت بالمنشآت والمصالح الحيوية، مؤكداً أن الادعاءات الإيرانية بشأن استهدافات عسكرية ليست سوى مبررات واهية، في حين أن الواقع يكشف تعمّد استهداف المدنيين وتصعيداً يهدد الأمن الإقليمي، ما يجعل إضعاف النفوذ الإيراني ضرورة لاستقرار المنطقة وليس مجرد خيار سياسي.
وشدد الشليمي على أن المرحلة تتطلب وضوحاً كاملاً في المواقف، فلا مكان للحياد، ومن يقبل قصف وطنه لا يستحق العيش فيه، مؤكداً أن الاصطفاف الوطني واجب، إما مع الدولة أو مع الطرف المعتدي، كما أشار إلى أن التطرف لا يرتبط بمذهب بعينه، بل هو ظاهرة عابرة للانتماءات، ما يفرض مسؤولية جماعية في مواجهته، محذراً في الوقت ذاته من محاولات تبرير التخابر تحت غطاء حرية الرأي، مؤكداً أن التجسس خيانة صريحة في زمن المواجهة، وختم بأن الرهان على إيران رهان خاسر، وأن أمن الوطن واستقراره هو المكسب الحقيقي الذي يجب الحفاظ عليه.
- في بداية الأمر، كيف هي الأحوال في دولة الكويت الشقيقة؟
نحن في الكويت، ولله الحمد، بخير وبصحة جيدة، ومعنوياتنا مرتفعة، والأمور الحياتية تسير بشكل طبيعي، لأننا واثقون بالله -سبحانه- وتعالى، وبأداء قواتنا المسلحة، ورجال ونساء الأمن، وكافة الخدمات القائمة.
الحقيقة أن القيادة السياسية في دولة الكويت حاضرة في الميادين كلهم، سواء من خلال متابعة نتائج الضربات أو عبر الزيارات التفتيشية والتشجيعية لكوادر الوزارات
كما نتمنى لكم في مملكة البحرين الخير كله، فقد قدمتم جهوداً كبيرة، وأظهر المواطنون تماسكاً واضحاً، وشاهدنا القيادة السياسية، ممثلة في جلالة الملك المعظم وصاحب السمو الملكي ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، وهم يتفقدون المصابين، ويزورون مؤسسات الدولة، ومن ثم، فإن الجهد واحد والخطر واحد، ونحن جميعاً نتصدى لهذا العدوان الإيراني الآثم الذي يسعى إلى إدخالنا في حرب لا علاقة لنا بها، ونسأل الله أن تنتهي هذه الأزمة قريباً.
- بعد مرور شهر على هذه الاعتداءات الإيرانية التي استهدفت المنشآت المدنية والمباني السكنية، وكل ما يتعلق بالمواطن الخليجي والمقيم، هل تعتقد أننا وصلنا إلى مرحلة اللاعودة مع النظام الإيراني؟ وبمعنى آخر، هل هناك أي جدوى للحلول الدبلوماسية مع النظام الحالي؟
في تقديري، لا توجد جدوى حقيقية من التعامل مع هذا النظام، فهو نظام يوظف خطاباً دينياً وأيديولوجياً لتبرير سياسات تصعيدية وتوسعية عدائية، بخلاف ما كان عليه الوضع في إيران في مراحل سابقة، حيث كانت تحكمها قواعد دولية، أما اليوم، فالنظام محكوم بأفكار أيديولوجية، وهي أمور لا يمكن بناء دولة عليها.
في المقابل، فإن الشعب الإيراني شعب محترم، وقد زرت طهران سابقاً، لكن المشكلة تكمن في القيادات التي تصدر أوامر استهداف دول المنطقة، ولا يوجد عاقل يفتح على نفسه عدة جبهات في وقت واحد، كما أن هذا النظام يشكل خطراً حقيقياً، ولولا القدرات الدفاعية التي تمتلكها دول الخليج لكان الوضع مختلفاً تماماً.
أعتقد أيضاً أن هذا النظام بحاجة إلى مراجعة ذاته، ولا أعلم إن كان الشعب الإيراني سيقبل به مستقبلاً، لكنه بلا شك يتطلع إلى الأفضل، ونحن أيضاً نرغب في علاقات أفضل معه، لذا سننتظر مآلات المفاوضات المقبلة، فإما أن تتعرض إيران لدمار شامل، أو تبدأ مرحلة إعادة الإعمار وإعادة بناء العلاقات مع جيرانها.
- أوضحت دول الخليج أنها لن تدخل هذه الحرب، ولن تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها، ومع ذلك اعتدت إيران عليها، مما أدى إلى فقدان الثقة، كيف ترى المشهد بعد توقف العمليات العسكرية؟
إيران لا يقودها سياسيون، بل يقودها متشددون أيديولوجياً، فعندما تتحدث مع مسؤولين سياسيين مثل الرئيس أو وزير الخارجية، تجد خطاباً يمكن البناء عليه، لكن في الواقع، القرار ليس بيدهم، بدليل أن تصريحات التهدئة لا تلبث أن تتبعها هجمات صاروخية، الحرس الثوري هو من يقود المشهد، وهو مستمر في ممارساته منذ تأسيسه، سواء عبر التجسس أو التدخلات، ما يجعل التعامل مع إيران السياسية أمراً بالغ الصعوبة.
- هل يعني أننا لا نتعامل مع نظام سياسي تقليدي، بل مع جهات أيديولوجية متشددة؟ وما هو تأثير ذلك على طبيعة التعامل الخليجي مع إيران؟
التعامل الحالي ليس مع نظام سياسي تقليدي، بل مع جهات أيديولوجية متشددة، وعلى رأسها الحرس الثوري، لذلك فإن دول مجلس التعاون لم تكن تتعامل مع هذه الأطراف، بل كانت تتعامل مع رئاسة الدولة ووزارة الخارجية، وإذا أرادت إيران فتح صفحة جديدة، فعليها أن تتعامل عبر القنوات الرسمية.
كما أن هناك احتمالية لفتح ملفات تعويضات مستقبلاً، على غرار ما حدث في تجارب دولية سابقة، حيث قد تتقدم دول أو شركات بدعاوى نتيجة الأضرار التي لحقت بها جراء استهداف المنشآت والمصالح وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز.
- هل تعتقد أننا أمام فرصة تاريخية لمواجهة هذه الأفكار، خاصة مع استغلال البعض للدين لتبرير العنف وتطبيع الإرهاب؟
تتمتع دول الخليج بهامش واسع من حرية ممارسة الشعائر وحرية المعتقد، وهذا أمر إيجابي جدا، لكن قد تظهر أيضاً مظاهر تطرف، سواء مذهبي أو أيديولوجي، وأرى أن من يقبل أن تتعرض بلاده، التي يعيش فيها ويتمتع بخيراتها، للقصف وهو راضٍ بذلك، لا يستحق العيش فيها، فالوطن لا يحتضن إلا من يدافع عنه ويخلص له.
هذه ليست قضية مذهب بعينه، فالتطرف موجود في أكثر من اتجاه، كما شهدنا مع تنظيمات مثل داعش، التي واجهناها ووقفنا ضدها، ومن ثم، فإن المسؤولية تقع على الجميع في توعية الأفراد بأن هذا الوطن هو بيتهم، ولا بديل لهم عنه.
كما أن إيران، بحسب ما نراه، لا تميز بين طائفة وأخرى، ولم ترحم حتى أبنائها أو الأقليات داخلها، ما يؤكد أن هذا النظام قائم على القمع، ويتستر بالدين لتحقيق أهدافه.
ومن هنا، أرى أن الوقت قد حان لرفع الغطاء عن هذه الحقائق، خاصة في ظل استمرار استهداف المدنيين بالصواريخ.
- كيف يمكن تعزيز الوعي لدى بعض الفئات التي قد تخلط بين البعد الديني والقومي في الخطاب الإيراني؟
نحن أمام خيارات واضحة، ويجب التعامل معها بحزم، في ظل حالة الحرب، لا مجال للتهاون مع من يتعاطف مع العدو، وليس فقط من ينخرط معه، فالدول الخليجية تتعرض لهجمات صاروخية خطيرة، ولولا فضل الله ثم كفاءة منظومات الدفاع الجوي والقوات الأمنية، لكانت النتائج كارثية.
بالتالي، يجب أن يكون الموقف واضحاً: إما مع الوطن أو مع الطرف المعتدي، كما أن دول الخليج أثبتت قوتها وقدرتها على الدفاع عن نفسها، سواء من خلال تحالفاتها أو إمكاناتها الذاتية، وهي مستمرة في حماية أمنها واستقراره.
- في ظل الكشف عن شبكات تجسس وتخابر، هناك من يدافع عن هذه الممارسات تحت شعار حرية الرأي، كيف ترد على ذلك؟
لا يمكن اعتبار التخابر مع جهات أجنبية عملاً يندرج تحت حرية الرأي، بل هو عمل تخريبي وخيانة صريحة، وفي مثل هذه الظروف، لا توجد منطقة رمادية، فإما أن يقف الإنسان مع وطنه أو مع من يعتدي عليه، نحن في حالة حرب، ولا مجال فيها للمساومة أو التردد.
- هل تعتقد أن النظام الإيراني استنفد أوراقه في المنطقة بعد هذه الأحداث؟
في الواقع، النظام الإيراني أضر بنفسه قبل أن يحرق أوراقه في المنطقة، فقد تعرضت بنيته التحتية ومقدراته لضربات كبيرة، واستُهدفت آلاف المواقع، بما في ذلك منشآت حيوية، وإذا استمر هذا الوضع، فقد تعود إيران إلى مستويات متدنية جداً من التنمية، ما سيؤثر على نحو مباشر على حياة المواطنين.
ومع ذلك، تبقى الأبواب السياسية مفتوحة، لكن دول الخليج لن تتعامل إلا مع أطراف رسمية عقلانية، وليس مع جهات أيديولوجية متشددة.
- في حال تم التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، هل يمكن أن يقبل المحيط الخليجي بعودة إيران بنظامها الحالي؟
من الضروري تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة، وعلى دول الخليج أن تكون جزءاً من أي مفاوضات مقبلة، باعتبارها طرفاً متضرراً، كما يجب عدم إغفال مسألة التعويضات، وفقاً للقانون الدولي، حيث يحق للدول المتضررة المطالبة بجبر الأضرار، ومن ثم، فإن أي اتفاق يجب أن يأخذ هذه الجوانب في الاعتبار، مع التأكيد على ضرورة التعامل مع مؤسسات الدولة الرسمية في إيران.
- إذا نفد صبر دول الخليج من هذه الاعتداءات، ما هو السيناريو المتوقع؟
الادعاءات الإيرانية باستهداف قواعد أمريكية هي مبررات غير صحيحة، إذ إن الهجمات طالت منشآت مدنية ومرافق خدمية.
كما أن الولايات المتحدة لا تعتمد على أراضي دول الخليج لتنفيذ عملياتها، حيث تمتلك قدراتها الخاصة. ومن ثم، فإن هذه الذرائع تهدف إلى تعبئة الداخل الإيراني.
أما بالنسبة لدول الخليج، فمن المهم أن يكون لها دور في أي ترتيبات مستقبلية، خاصة أنها من الدول المتضررة على نحو مباشر.
كما أن إضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة يصب في مصلحة الاستقرار الإقليمي.
- ما الذي يجب على الشعوب الخليجية القيام به في هذه المرحلة، خصوصاً في حال حدوث تصعيد أكبر؟
كمواطنين، يجب أن نكون على قدر المسؤولية، وأن ندعم دولنا بكل ما نملك. الدولة هي الجهة الأقدر على حماية مواطنيها، وهي التي تسهر على أمنهم واستقرارهم، لذلك، فإن الواجب الوطني يقتضي الوقوف إلى جانبها، والاستعداد لتلبية أي نداء. وفي النهاية، يبقى الخيار واضحاً: إما الوقوف مع الوطن أو تمكين العدو.
- ما الرسالة التي تود توجيهها للمترددين، أو من يلتبس عليهم الموقف؟
الموقف واضح، ولا يحتمل الازدواجية، لا ينبغي الانجرار وراء الخطابات الطائفية أو الدعائية، فإيران تعاني أزمات داخلية كبيرة، وشعبها يواجه تحديات اقتصادية ومعيشية، وهناك هجرة واسعة للكفاءات، ومن ثم، فإن الرهان عليها هو رهان خاسر.
على كل فرد أن يدرك أن أمنه واستقراره في وطنه هو النعمة الكبرى، وعليه أن يحافظ عليها، وأن يقف إلى جانب بلده في كل الظروف.