إنّا لنرى في هذا الزمان قومًا قد اتّخذوا من الدين ستارًا، ومن الخطاب السياسي المُغلَّف باطنًا بمآرب خفيّة جسرًا إلى القلوب، فإذا جدّ الجدّ، واشتدّ الكرب، وتبيّن موضع الحقّ من الباطل، وقفوا بين المنزلتين: لا هم ناصروا، ولا هم أنكروا، ولا هم بيّنوا، في موطنٍ لا يقبل التردّد.
وهذا القول للتوضيح، وقطعًا للتأويل، ليس اتهامًا لجماعةٍ بعينها، ولا تخصيصًا لفئةٍ دون فئة،
بل هو خطابٌ يمتدّ من المغرب العربي إلى مشرقه، ومن شماله إلى جنوبه، يتناول كلَّ من جعل ولاءه لمرشدٍ خارج الأوطان، يقدّمه على وطنه، ويُقدّم الانقياد له على واجب الانتماء؛ سواء لبس لبوس التنظيم، أو ادّعى الانتساب إلى نهجٍ آخر، فالعِلّة واحدة، وإن اختلفت الأسماء، والنتيجة واحدة، وإن تنوّعت الرايات.
وإنّ من أعجب ما يُروى عنهم، وما يُحكى من شأنهم، أنّهم كانوا يُلقّنون الشباب مقولةً طالما ردّدوها في معسكراتهم: «اخشوشنوا»، كأنّها سيفٌ يُصقل، أو درعٌ يُلبس، يُراد بها إعداد النفوس لملاقاة العدوّ، والثبات عند اللقاء؛ فإذا دنا العدوّ، واشتدّ البلاء، وظهرت الوقائع، رأيت الشعار مرفوعًا، وصاحبه مدفوعًا، ورأيت القول جسورًا، والفعل كسيرًا؛ حتى خُيّل للناظر أنّ الخشونة عندهم لفظٌ يُقال، لا خُلُقٌ يُنال، وأنّ ما أمروه لغيرهم، عجزوا عنه في أنفسهم، فكان الشباب الوطنيّ المخلص، البعيد عن الانقياد لهم عند المحكّ، أخشنَ من شوارب أقوالهم،
وأصدقَ من لحى أفعالهم، وأثبتَ في الدفاع عن وطنه قولًا وعملًا من خطبهم.
وما كان أحدٌ ينكر ألم فلسطين، ولا يخفّف من وجعها، فجرحها جرحٌ في صدر كلّ عربي، ونزفها نزفٌ في ضمير كلّ مسلم؛ ولكنّ العجب كلّ العجب أن يُتَّجر بقضيتها، ويُستدعى الصوت عاليًا من أجلها، ومن أجل حملات جمع المال التي يُقال إنّها لأهلها، فإذا وقع العدوان على أوطانهم، خفتت الأصوات، وانطفأ البيان، وغاب الموقف، وكأنّ الدماء تُوزن، أو القضايا تُجزّأ، أو الحقّ يُقسّم على الهوى؛ فليس بمقبولٍ أن يُقال: عدوُّ عدوّي صديقي، ولا أن يُتردّد في تصنيفه عدوًّا، بدعوى رابطةٍ في الدين، وهو يعتدي على الوطن، ويستهدف الأرض، ويمسّ الأمان.
ثم إذا نظرت إلى أصل فكرهم، وجدته أدعى لكشف سرّهم، وأقرب لبيان مقصدهم؛ فإنّهم لا يُقيمون للدولة الوطنية وزنًا، ولا يرون لحدود الأوطان شأنًا، بل يجعلون الولاء لمرشدٍ يُتّبع، وإن كان خارج الديار، ويقدّمون طاعته على طاعة أوطانهم، سواء أكان ذلك في صورة تنظيمٍ سياسيٍّ دينيٍّ ثيوقراطيٍّ ظاهر، أو في صورة ثورةٍ ثيوقراطيّةٍ طائفيّةٍ تُفرّق ولا تجمع، مستترةٍ بالدين؛ فكأنّهم يجتمعون على أصلٍ واحد، هو تقديم الفكرة على الوطن.
وإذا نظرت إلى ولائهم، وجدته ولاءً مُعلّقًا، لا مستقرًّا، ومشروطًا، لا مطلقًا؛ يخضع للفكر، وللمرشد، لا للدولة، بخلاف ما عُرف عن نهج السلف الصالح كقدوةٍ ومنهج، لا كتنظيمٍ عصريٍّ تحت أي غطاء، من لزوم الجماعة، ووجوب السمع والطاعة لوليّ الأمر في المعروف، وتحريم الخروج وشقّ الصف.
وإذا تأمّلت مواقفهم عند وقوع العدوان، رأيت من الغرائب ما يبعث على العجب؛ بياناتٌ تُصدر على استحياء، ثم يعقبها اختفاءٌ كأن لم يكن صوتٌ ولا بيان، فلا حملاتٌ إعلامية تُذكّر، ولا دعواتٌ صادقة تُشدّد على الوقوف مع الوطن، ولا مؤتمراتٌ تُندّد بالعدوان، ولا أناشيد تُنشد تمجّد جنود الخليج البواسل، وما يقومون به من دفاعٍ وصون؛ فكأنّ الوطنية عندهم تُؤجّل، والمواقف تُرحّل، والواجب يُعطّل.
وفي المقابل، إذا قيل لهم: أين ما كنتم تدّعون؟ وأين ما كنتم ترفعون؟ قالوا: الحكمة تقتضي، والمصلحة تستدعي، وما هي في الحقيقة إلا سياسةٌ تُدار، ومآربٌ تُستتر، وغاياتٌ تُمرّر تحت عباءة الدين.
على أنّ الإنصاف، وهو ميزان القول، يقتضي أن يُقال: إنّ في بعضهم جمعياتٍ تحت مسمّياتٍ متعدّدة، وأفرادًا، من صدق حسّه الوطني، وصلب موقفه، فكان مع وطنه صادقًا صلبًا، ظاهرًا وباطنًا، لا يداور ولا يناور؛ فهؤلاء نحن معهم، نؤيّد صدقهم، ونُثني على ثباتهم. وأمّا من تلون في ولائه، وتزلف في انتمائه، فأظهر ما لا يُبطن، وقال ما لا يفعل، فذلك الذي نردّ قوله، ونكشف أمره؛ إذ لا يجتمع صدق الولاء مع تقلّب الهوى وقت البلاء.