أكدت النائب د. مريم الظاعن أهمية الانتقال بملف المصابين بطيف التوحد من إطار المعالجات الجزئية إلى نهج وطني شامل ومتكامل، من خلال وضع استراتيجية متخصصة لهذه الفئة، تراعي احتياجاتهم المتنامية على المستويات الصحية، والتعليمية، والتأهيلية، والتدريبية، والمهنية، بما يضمن لهم حياة أكثر استقرارًا وكرامة، ويخفف في الوقت ذاته من الأعباء المتزايدة الواقعة على أسرهم.
وأوضحت أن المصابين بطيف التوحد، على وجه الخصوص، يواجهون تحديات متراكمة وممتدة عبر مراحل العمر المختلفة، تبدأ من التشخيص المبكر وما يرتبط به من فترات انتظار قد تطول في بعض الحالات، مروراً بالحاجة إلى برامج تعليمية وتأهيلية متخصصة، وصولاً إلى تحديات الدمج المجتمعي، والتأهيل المهني، والتوظيف، وهو ما يستدعي تعاملاً أكثر تخصصاً مع هذا الملف، في ضوء الزيادة الملحوظة في عدد الحالات عامًا بعد عام.
وقالت الظاعن إن العديد من الأسر تعاني ضغوطاً كبيرة في سبيل تأمين الخدمات المناسبة لأبنائها من المصابين بطيف التوحد، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف بعض الخدمات التأهيلية والتدريبية في القطاع الخاص، وما يترتب على ذلك من أعباء مالية ونفسية متراكمة، لافتة إلى أن هذه التحديات تتضاعف في بعض الحالات، لاسيما حين تضم الأسرة أكثر من حالة، الأمر الذي يفرض الحاجة إلى توسيع نطاق الخدمات الحكومية والأهلية، ورفع طاقتها الاستيعابية، وتوزيعها بصورة أكثر عدالة ومرونة.
وشددت على أهمية أن تتضمن الاستراتيجية المقترحة مساراً واضحاً لدعم الأسر وتمكينها، مشيرة إلى أن أولياء الأمور يمثلون جزءاً أساسياً من رحلة الرعاية والتأهيل، ومن المهم النظر في برامج تدريبية متخصصة للآباء والأمهات، تؤهلهم لاكتساب المهارات اللازمة للتعامل مع أبنائهم، بل وتمكن بعضهم -وفق أطر تنظيمية ومهنية واضحة- من الانخراط في تقديم خدمات مساندة تحت إشراف الجهات المختصة، بما يفتح المجال أمام نماذج مبتكرة في الرعاية والدعم المجتمعي، ويسهم في تخفيف الأعباء عن الأسر، وتعزيز فرص التمكين الاقتصادي لبعضها. وأكدت أن هذا الملف لا يمكن أن يُدار من زاوية واحدة، وإنما يتطلب تكاملاً حقيقياً بين مختلف الجهات المعنية، وفي مقدمتها وزارات الصحة، والتربية والتعليم، والعمل، والتنمية الاجتماعية، بما يضمن وجود مسار متصل ومترابط يبدأ من الاكتشاف والتشخيص المبكر، ويمتد إلى التعليم، والتأهيل، والدمج، والتدريب، ثم فرص العمل والاستقلالية، قدر الإمكان.
وأضافت أن من المهم تفعيل وتشغيل المرافق والمشروعات التي أُنشئت لخدمة هذه الفئات، وتوسيع الاستفادة من البنية المجتمعية القائمة، عبر تخصيص مساحات وقاعات مناسبة في المراكز الاجتماعية بمختلف المحافظات، لتقديم برامج وخدمات مساندة تسهم في تقريب الخدمة من الأسر، وتخفف عنهم أعباء التنقل والانتظار. ودعت إلى تعزيز البعد العلمي والبحثي المرتبط باضطراب طيف التوحد، من خلال دعم الدراسات الوطنية والبحوث المتخصصة، والاستفادة من الإمكانات العلمية المتقدمة التي توفرها مملكة البحرين، وعلى رأسها مركز الجينوم، بما يسهم في فهم أعمق للعوامل المرتبطة بهذه الحالات، ويدعم بناء سياسات صحية وتأهيلية أكثر دقة وفعالية، قائمة على المعرفة والبيانات والمؤشرات العلمية.
واختتمت بالقول إن حجم التحديات واتساع الاحتياجات يفرضان مواصلة التطوير والتوسع والتحديث، خصوصاً في ملف المصابين بطيف التوحد، بما يواكب الزيادة في الحالات، ويحقق نقلة نوعية في مستوى الخدمات المقدمة، وصولًا إلى منظومة أكثر شمولًا وعدالة واستدامة، تضع الإنسان وكرامته وحقه في الحياة الكريمة في صميم الأولويات الوطنية.