لم يعد الصراع يقتصر على الجغرافيا أو القدرات العسكرية، بل امتد إلى ما يُعرف في أدبيات الإعلام الرقمي بـ"حرب السرديات والدعاية والصور الذهنية” بهدف تشكيل الإدراك العام وتوجيه تفسير الأحداث في اتجاهات معينة، وتؤكد دراسات حديثة في الإعلام الرقمي أن السيطرة على السرد ورواية الأحداث عبر وسائل الإعلام تُعد عاملاً حاسماً في كسب التأييد الدولي وتعزيز الشرعية السياسية.

إن التحول في أنماط الإعلام على المستوى الدولي قد زاد من أهمية ما يعرف بإعلام المواطن وبروز السوشيال ميديا وزيادة تأثيراتها، كل هذا التحول جعل المواطن ينتقل من موقع المتلقي إلى موقع "الفاعل السردي الراوي للأحداث” عبر هاتف ذكي يحمله في يده، حيث تشير أبحاث حديثة إلى أن المحتوى الذي ينتجه المستخدمون.

أصبح مصدراً رئيسياً لتشكيل الرأي العام العالمي أثناء الأزمات، خاصة في البيئات الرقمية المفتوحة ، لأن تفاعل الأفراد مع الأحداث عبر منصات التواصل يسهم في بناء "سرديات موازية” هذه السرديات يمكن أن تدعم الموقف الوطني والرواية الرسمية الوطنية للأحداث.

يبرز في هذا السياق مفهوم "المرونة المعلوماتية” الذي يرتكز على قدرة المجتمع على مقاومة التضليل من خلال الوعي النقدي والثقة المؤسسية.

ومن النماذج الدولية الرائدة في هذا السياق التجربة الفنلندية التي دمجت التربية الإعلامية في التعليم ما جعلها تتصدر مؤشرات مقاومة الأخبار الزائفة عالميًا.

ومن ناحية أخرى تقدم التجربة الأوكرانية مثالاً عملياً على "السرد التشاركي”، حيث لعب المواطنون دوراً محورياً في إنتاج وتداول محتوى يوثق الواقع الميداني، ويعزز من التعاطف الدولي مع أوكرانيا، وقد ساهم هذا التفاعل الرقمي في خلق ما يُعرف بـ"التعبئة السردية” التي دعمت الموقف الأوكراني دولياً.

غير أن فاعلية هذا الدور ترتبط بنوعية الخطاب المستخدم؛ إذ تميز الدراسات بين "الدفاع العاطفي” القائم على الانفعال، و"الدفاع المعرفي” الذي يعتمد على الأدلة والبيانات والمعلومات المستمدة من المصادر الرسمية الوطنية.

وهنا تؤكد الدراسات العلمية أن الرسائل المدعومة بالمعلومات الموثقة المعتمدة على المصادر الرسمية مثل المؤسسات الوطنية أكثر تأثيراً واستدامة في تشكيل الاتجاهات مقارنة بالخطاب الانفعالي.

ومن ناحية أخرى أكدت الدراسات على أن دور المواطن مهم في إبراز الوحدة والتماسك المجتمعي والذي يُعد عنصراً سردياً حاسماً، حيث تشير أبحاث الاتصال السياسي إلى أن صور الوحدة الوطنية تقلل من قابلية الجمهور الخارجي لتصديق السرديات المعادية .

وفي المقابل، فإن الخطابات المتشنجة أو الإقصائية أو المؤدلجة توفر مادة خصبة لإعادة إنتاجها ضمن أطر دعائية مضادة.

تستهدف الإضرار بالمصلحة العامة .

لذلك فإن المحتوى الوطني الذي يخدم المصلحة الوطنية لم يعد مهمة المؤسسات الرسمية فقط، بل أصبح في ظل انتشار صحافة المواطن نتاجاً تراكمياً لممارسات يومية يقوم بها المواطن أيضاً.

وفي هذا الإطار، يتحول كل فرد إلى "فاعل استراتيجي” في معركة الوعي، يسهم في حماية صورة وطنه عبر الخطاب الرشيد والكلمة الدقيقة، والمعلومة الموثقة، التي يستقيها من المصادر الوطنية الرسمية الموثوقة عندئذ يصبح المواطن مشاركاً في صناعة صورة إيجابية عن وطنه في الداخل والخارج وقت الأزمات حمى الله البحرين وقيادتها وشعبها من كل سوء.