سماهر سيف اليزل

في حلقة استثنائية من برنامج «كلمة أخيرة» عُرضت على تلفزيون البحرين، قدّمت الكاتبة في صحيفة الوطن سوسن الشاعر قراءة شاملة وممتدة للأحداث التي تشهدها المنطقة، مستهلة حديثها بنبرة واقعية ممزوجة بالطمأنينة، مؤكدة أن «كل مرحلة صعبة مرت علينا سابقاً تجاوزناها، وهذه أيضاً سنعبرها»، في إشارة إلى أن الأزمات، مهما بلغت حدتها، تبقى عابرة في سياق الزمن.

وأوضحت أن ما يدور في أذهان المواطنين من تساؤلات وقلق هو أمر مشروع، بل هو ذات التساؤل الذي يعيشه الجميع، مشيرة إلى أن الهدف من هذه الحلقة هو الاقتراب من هذه الأسئلة كما هي، دون تجميل أو تهويل، ومحاولة الإجابة على جزء منها، بدءاً من السؤال الأكثر تداولاً: لماذا تستهدف إيران دول الخليج بالصواريخ، رغم أنها لم تكن طرفاً مباشراً في الحرب؟

وفي معرض إجابتها، أعادت الشاعر المشهد إلى جذوره التاريخية والسياسية، موضحة أن المشروع الإيراني منذ قيام النظام الحالي قام على مبدأ «تصدير الثورة»، وهو مبدأ منصوص عليه في الدستور الإيراني، وتم العمل عليه بشكل منهجي منذ وصول القيادة الجديدة إلى الحكم.

وأكدت أن هذا المشروع لم يكن شعاراً سياسياً عابراً، بل خطة استراتيجية طويلة الأمد، اعتمدت على استقطاب وكلاء داخل الدول العربية، ليكونوا أدوات تنفيذ لهذا التوجه.

وبيّنت أن «تصدير الثورة» يعني عملياً الاعتماد على قوى غير إيرانية لخوض المواجهات، بحيث تتحول هذه القوى إلى الصفوف الأمامية في الصراعات، بينما يبقى القرار والتوجيه في يد طهران، مضيفة أن هذا النموذج مكّن إيران من التمدد في عدة دول عربية، بل والتفاخر بالسيطرة على عواصم إقليمية، في سياق مشروع أوسع يُعرف بـ«فارس الكبرى»، الذي يستهدف التمدد الجغرافي من طهران حتى البحر الأحمر ثم المتوسط، مروراً بدول الخليج وبلاد الشام.

وأكدت أن هذا المشروع لم يعتمد فقط على الوكلاء، بل توازى مع بناء ترسانة عسكرية ضخمة، جرى تطويرها وتصنيعها وتخزينها على مدى سنوات طويلة، مشيرة إلى أن حجم هذه الترسانة ونوعيتها يؤكدان أنها لم تُعد لمواجهة ظرفية، بل خُصصت لمواجهة دول الخليج وحلفائها، نظراً لما تمثله المنطقة من ثقل استراتيجي عالمي في مجالات الطاقة والممرات المائية.

وفي تفسيرها لتركيز الضربات على دول الخليج، أوضحت الشاعر أن ما يحدث ليس عشوائياً، بل يستند إلى «بنك أهداف» قديم جرى إعداده منذ سنوات، ويشمل منشآت حيوية مثل الموانئ والمطارات، وقطاعات الطاقة والمياه والاتصالات، مؤكدة أن هذه الأهداف تم تحديدها منذ فترات سابقة، وليس نتيجة تطورات آنية.

وأضافت أن تسريع استخدام هذه الترسانة جاء نتيجة شعور إيران بأن هذه الأسلحة قد تُفقد أو تُدمر، ما دفعها إلى توجيهها نحو الهدف الذي أُعدت من أجله أساساً، في محاولة لتنفيذ مشروعها قبل أن تتعرض قدراتها للتآكل، لافتة إلى أن ذلك يفسر سبب توجيه النسبة الأكبر من الضربات نحو دول الخليج، وليس نحو أطراف أخرى.

وفي مقابل هذا الطرح، شددت الشاعر على أن ما لم يكن في حسابات هذا المشروع هو قوة وصلابة الدولة الوطنية الخليجية، مؤكدة أن النموذج الخليجي أثبت قدرته على الصمود، ليس فقط أمنياً، بل أيضاً على مستوى استمرارية الحياة اليومية، حيث لم تتوقف الخدمات الأساسية، واستمرت مؤسسات الدولة في أداء دورها بكفاءة عالية.

وأشارت إلى أن هذا النموذج يمثل نقيضاً واضحاً للنموذج الإيراني، حيث تضع دول الخليج رفاه الإنسان في صدارة أولوياتها، حتى في أوقات الأزمات، بينما يركز النموذج الآخر على توجيه الموارد نحو التسلح وحماية النظام السياسي، وهو ما خلق فجوة كبيرة في جودة الحياة بين الجانبين.

وأضافت أن هذه الفجوة انعكست في الواقع الاجتماعي، حيث أصبح النموذج الخليجي جاذباً للعيش والعمل، بينما يعاني النموذج الآخر من هجرة مواطنيه، مؤكدة أن هذه المقارنة تمثل أحد أبرز عناصر القوة التي لم يتم تقديرها بالشكل الكافي في حسابات الصراع.

وأثنت الشاعر بشكل لافت على أداء الأجهزة الأمنية والعسكرية في البحرين، مشيدة بقدرتها على التصدي للتهديدات بكفاءة عالية، مؤكدة أن ما تحقق على أرض الواقع يعكس سنوات من التدريب والتأهيل، ويعبّر عن جاهزية عالية ويقظة مستمرة.

كما نوّهت بحالة التلاحم الوطني التي برزت خلال الأزمة، حيث التف المواطنون حول قيادتهم، واستمروا في ممارسة حياتهم اليومية بثقة، رغم التحديات، معتبرة أن هذا التماسك يمثل أحد أهم عناصر القوة في مواجهة الأزمات.

وفي سياق أعمق، انتقلت الشاعر إلى الحديث عن مفهوم الدولة الوطنية، مؤكدة أن الإنسان بحاجة إلى الدولة ككيان منظم يضمن له الأمن والاستقرار والكرامة، مشيرة إلى أن الانتماء للدولة يتقدم -في الواقع العملي- على أي انتماء آخر، لأنه الإطار الذي يتيح للإنسان أن يعيش ويعمل وينتج.

واستعرضت في هذا السياق تجربة البحرين في بناء الدولة الحديثة، مستذكرة دور المغفور له الشيخ عيسى بن علي في وضع أُسس الدولة، من خلال تحقيق الاستقرار السياسي، وبناء منظومة أمنية وقضائية، وتنظيم العلاقات الخارجية، وخلق بيئة اقتصادية مزدهرة، إضافة إلى إدارة التنوع المجتمعي تحت مظلة واحدة.

وأكدت أن هذه التجربة لم تكن وليدة الصدفة، بل نتيجة جهد بشري متواصل، استطاع أن يحول عناصر متفرقة إلى منظومة دولة متكاملة، مشددة على أن قراءة التاريخ يجب أن تكون لفهم التحديات التي تم تجاوزها، وليس فقط للافتخار بالإنجازات.

كما فرّقت بين مفهوم «الوطن» بوصفه شعوراً وانتماءً، و«الدولة» بوصفها كياناً ينظم العلاقة بين الفرد والمجتمع، مؤكدة أن الحفاظ على الدولة يتطلب التزاماً بالواجبات، إلى جانب المطالبة بالحقوق، في إطار عقد اجتماعي متكامل.

واختتمت الشاعر حديثها برسالة تحمل قدراً كبيراً من التفاؤل، مؤكدة أن هذه المرحلة، رغم صعوبتها، ستمر كما مرت غيرها، داعية إلى عدم الانجرار وراء الخطاب السلبي أو المبالغة في التشاؤم، والتمسك بالإيمان والثقة في قدرة الدول الخليجية على تجاوز التحديات.

وشددت على أن ما انكسر يمكن إصلاحه، وأن ما تحقق من إنجازات قادر على الاستمرار، بفضل تماسك المجتمع وقوة مؤسساته، مؤكدة أن المستقبل يحمل فرصاً أفضل، وأن الإيمان والعمل والوحدة تبقى الركائز الأساسية لعبور الأزمات.