أُعلنت الهدنة بين واشنطن وطهران لمدة أسبوعين، فتقدمت إلى المشهد بصفتها وقفاً للضربات، ودخلت إلى الوعي السياسي بصفتها عقداً مؤقتاً للقوة، إذ ربط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعليق القصف الأمريكي بإعادة فتح مضيق هرمز، وتحدث عن مقترح من عشر نقاط، وقدمه أساساً عملياً لمسار تفاوضي جديد. وفي اللحظة نفسها دخلت المنطقة كلها في اختبار كثيف، اختبار يخصّ معنى الهدنة على الأرض، وحدودها، والطرف الذي يملك تعريفها.
تقوم الهدنة في علم الصراع على أركان تصنع هيكلها الحقيقي؛ يبدأ الركن الأول بتحديد المسرح الجغرافي، لأن كل اتفاق يعيش داخل خرائطه. ويتشكل الركن الثاني من تسمية القوى الداخلة تحت مظلته، لأن الغموض يفتح أبواباً واسعة للتأويل. ويأتي الركن الثالث في صورة ضامن قادر على إسناد النص بالقوة السياسية والعسكرية، بينما يتجسّد الركن الرابع في آلية تَحقّق تراقب الخرق ساعة بساعة. ثم يحضر الركن الخامس في صورة مسار تفاوضي يمنح التهدئة وظيفة تتجاوز تعليق النار إلى إنتاج واقع جديد. وعند اكتمال هذه الأركان تتحول الهدنة إلى فرض واقع، وعند اضطرابها تتحوّل إلى مساحة مناورة.
تكشف الأيام الأولى من هذه الهدنة طبيعتها بوضوح شديد؛ فقد بقيت حركة السفن في «هرمز» تحت ضغط قاسٍ، وأظهرت البيانات أن المرور هبط إلى مستويات متدنية جداً، وبقيت مئات السفن عالقة في الانتظار، فتقدم البحر بوصفه أداة ضغط في صلب التفاهم. وفي الجهة الأخرى اندفعت إسرائيل إلى ضرب لبنان بعنف واسع بعد الهدنة، فسقط قتلى وجرحى في بيروت ومناطق أخرى، وخرجت تل أبيب بتفسير يضع الساحة اللبنانية داخل حربها الخاصة مع حزب الله والبنية الإيرانية المحيطة بها. وهنا ظهرت الخلاصة الأساسية منذ الساعات الأولى: الهدنة وُقّعت فوق ورقة واحدة، والحرب تحرّكت فوق أوراق عديدة.
تأتي الخروقات في هذا النوع من الهدن بوصفها فعلاً متوقعاً في صراع المصالح، إذ تسعى كل عاصمة إلى توسيع المساحة التي تُبقي فيها يدها طليقة، وتُدخل كل جبهة في الحسابات بالطريقة التي تخدم ميزانها الخاص. لذلك حمل الخليج العربي بعد الهدنة صورة الضغط البحري الإيراني، وحمل لبنان صورة الضغط الجوي الإسرائيلي، وصارت الهدنة عنواناً سياسياً، فيما بقيت الوقائع على الأرض تتحرك بطريقتها المعتادة. تضيف قصة «الشروط العشرة» طبقة أخرى إلى هذا المشهد؛ فقد قال ترامب إن إيران قدّمت مقترحاً من عشر نقاط، ثم اتسعت الروايات الأمريكية حول مضمون هذه البنود، وظهرت تفسيرات متباينة في الإعلام والحسابات السياسية الأمريكية. وتحدثت تغطيات لاحقة عن اختلاف في القراءة بين النسخ المتداولة بالإنجليزية والروايات التي خرجت بالفارسية من الجانب الإيراني. وبرزت بنود تتصل بالعقوبات، و»هرمز»، والحقوق النووية، وتعويضات مع إعادة الإعمار. ومع هذا التعدّد في السرد دخل النص نفسه في معركة موازية، معركة ترتّب البنود، وتوزّع الأولويات، وتمنح كل طرف فرصة الادعاء بأنه صاحب اليد العليا في التفاوض.
يرسم التاريخ بين واشنطن وطهران هذا النمط منذ عقود؛ فقد جاءت اتفاقات عام 1981 لإغلاق أزمة الرهائن ضمن صفقة ضرورة، ثم تعاقبت العقوبات، والرسائل الخلفية، والاشتباكات البحرية، ثم خرج الاتفاق النووي عام 2015 باعتباره تجميداً منظماً لمسار بالغ الحساسية، ثم دخلت العلاقة دورة أخرى من التصعيد والمساومة، وبقيت القاعدة الحاكمة ثابتة، ضغط مرتفع، تفاوض حذر، تسوية مؤقتة، توتر جديد.
ويكشف المسار الإسرائيلي منذ 7 أكتوبر قاعدة مستقرة في سلوكه العسكري والسياسي؛ فإسرائيل تتعامل مع الهدنة كاستراحة تكتيكية تُدار من داخل الحرب نفسها. وقد ظهر ذلك في غزة خلال هدنة نوفمبر 2023، ثم في لبنان بعد تفاهم 2024، ثم في انهيار وقف إطلاق النار في غزة خلال مارس 2025، ثم في القصف الواسع على لبنان بعد الهدنة الأمريكية الإيرانية الأخيرة. وحين تتكرّر الصورة بهذا الانتظام تتشكّل دلالة لا تحتاج إلى شرح طويل، وهي أن تل أبيب تدخل الهدنة حين تخدم ترتيب القوة، وتغادرها حين ترى أن الميدان يمنحها فرصة أوسع لفرض الوقائع.
تكشف هذه الهدنة معنى واضحاً في هذا الإقليم؛ فالاتفاق الذي يُعلن على الورق يبقى معلّقاً ما دامت الجبهات تتحرّك وفق حساباتها الخاصة، وما دامت العواصم تمنح البنود تفسيرات تخدم مصالحها، وما دامت النار تنتقل من ساحة إلى أخرى مع كل تغيّر في موازين الضغط. ولهذا جاء الخليج العربي تحت القصف الإيراني حتى بعد الهدنة، وجاء لبنان تحت القصف الإسرائيلي بعدها أيضاً، فبانت الصورة سريعاً: الهدنة أُعلنت، والقصف استمر.
وفيما يتعلق بالخليج العربي، فقد اختار طريق التهدئة، وتمسّك بإبعاد أراضيه وأجوائه عن مسار النار، ثم وجد نفسه يتلقى الضرر في الممرات والاقتصاد والأمن اليومي، واستمرت المسيّرات والصواريخ بعد الهدنة في تهديده؛ فهل صار الخليج العربي في نظر هذه الأطراف مساحة متاحة لتحمّل الفاتورة كلما ضاقت ساحات الحرب الأصلية؟