على مر العصور، واجهت دول وشعوب حروباً وأزمات حاسمة، عكست بصيرة القيادة وثباتها، وكشفت معدن الشعوب وعمق انتمائهم للوطن من خلال المواقف المشرفة والقيم الصلبة التي سجلها لهم التاريخ.
وفي مملكة البحرين، لم تكن الأزمات محطات عابرة، وأثبتت حضور القيادة الذي لم يقتصر على حماية الوطن ومكتسباته فقط، وامتد ذلك ليشمل الإنسان أولاً قبل كل شيء، سواء كان مواطناً أو مقيماً، عبر تأمين احتياجاته وصون استقراره وأمانه.
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل تُرك المواطن يوماً لمواجهة مصيره وحيداً؟ الواقع يجيب: لا، فخلال كل محطة مفصلية كانت الأولوية للإنسان.
ونستذكر هنا، على سبيل المثال، جائحة كورونا (كوفيد19) التي أثبتت قدرة البحرين على إدارة الأزمات بكفاءة، إذ تحركت الدولة بسرعة وبنهج مدروس، وسخّرت إمكاناتها، ووفرت الرعاية الصحية والمستلزمات الوقائية والأدوية والخدمات الطبية المتنقلة. كما عززت حملات التوعية والدعم المعنوي للجميع، مما رسخ الثقة بدولة واعية وقريبة من مواطنيها.
أما اليوم، ومع العدوان الإيراني الآثم الذي مس أمن البلاد وسلامة المواطنين والمقيمين ومنشآت الوطن، فقد برهنت الدولة على جاهزيتها العسكرية والأمنية لحفظ سلامة الجميع، ولم تغفل جانب التوعية الإعلامية والتغطيات المستمرة للأحداث وغيرها من الجهود المباركة، لتبقى ثقة المواطن راسخة ومطمئنة.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية أدوارنا كمواطنين في استحضار الهدوء وضبط النفس قدر المستطاع خلال فترات الأزمات والتحديات. أُدرك تماماً بأنه لا يمكن لأحد أن يمنع مخاوفه، أو يضبطها تماماً، فهي مشاعر فطرية، وما مررنا به لم يكن أمراً سهلاً، بل مرعباً، لكن ينبغي علينا أن نُعين أنفسنا قدر المستطاع حتى لا تتحول المخاوف إلى قلق مرضي، حفاظاً على الصحة النفسية للجميع، ودعم من حولنا خصوصاً الفئات الأكثر هشاشة كالأطفال وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، فكل ما نمرّ به من مخاوف أو تحديات ما هو إلا اختبار من الله وستزول بإذنه. قال تعالى: «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ».
كما أن التهافت على التكديس غير المدروس للمواد الغذائية والاستهلاكية والصحية بما يفوق الحاجة خلال فترة الأزمات يؤثر سلباً على الاستقرار المادي والمعنوي للفرد والمجتمع. فمملكة البحرين عامرة بخيراتها وبما تملكه من جاهزية أمنية واحترازية، ومنظومة متكاملة في الأمن الغذائي والصحي والاستهلاكي، والتي تستند إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى وخطط استباقية مدروسة لمواجهة التحديات قبل وقوعها.
ومن هنا يظهر دور المواطن الواعي والخبير المتخصص. فبينما يلتزم المواطن بالتوكل على الله والتعليمات الرسمية والتعاون مع الجهات المختصة وتحري الدقة قبل تداول الأخبار والابتعاد عن الشائعات، يلعب الخبراء دوراً حيوياً في دعم المجتمع وتحويل التحديات إلى حلول عملية مبتكرة تخدم الوطن والمواطن.
إن هذه الأزمة كانت بمثابة مرآة كشفت أصالة المواطن الصالح وعمق العلاقة بين القيادة الرشيدة وشعبها، كما برزت الفوارق بين المواطنة الحقة، التي تلتزم بالولاء والانتماء للوطن، ومن انجرف خلف مصالحه الشخصية وترك أمانة الوطن.
لقد مررنا بأزمات عديدة، وتجاوزناها بوعي وتماسك، وخرجنا منها أكثر نضجاً. فالمحن لم تكن مجرد صعوبات، بل محطات صقلت وعينا، ورسخت قيم المسؤولية والانتماء، وكشفت قوة المجتمع المترابط، والشدائد مهما بلغت لا تهدم الأوطان، بل تكشف معادن أبنائها وتصقل جذورها.
وهكذا تمضي البحرين متجاوزة التحديات بثبات، أقوى وأشد تمسكاً بقيمها. فكل أزمة تعزز وعينا، وتذكرنا أن الأمن يبدأ من الثقة المتبادلة والوعي المسؤول والتصرف المتزن من كل فرد.
وختاماً، فحب الوطن لا يُقاس بالكلمات والشعارات، بل بالإخلاص والوفاء والثبات والوعي والتحلي بالهدوء في أوقات الرياح العاتية.
حفظ الله البحرين قيادةً وشعباً، وأدام عليها أمنها واستقرارها.