كيف ستواجه وتتصدى الدولة الوطنية في مملكة البحرين مشكلة الاجترار الدائم والمستمر لأزمة أو مشكلة -سمها ما شئت- تمثلت في تكرار مظاهر العداء للدولة التي اختص بها مجموعات بحرينية شيعية منذ بداية الخمينية إلى يومنا هذا، ونتج عنه سد وحاجز بين أجيال من شيعة البحرين من جهة والدولة ومؤسساتها من جهة أخرى والأخطر بينها وبين المكون السني الذي يرى في الدولة هوية وانتماء، عداء وخصومة توارثته أجيال منذ الثمانينات إلى اليوم يتغذى فيه الطفل والشاب عداءه «للدولة» منذ نعومة أظافره إلى آخر يوم في حياته.
مجموعات تتسيد المشهد الشيعي وتحاول أن توهم الناس أنها تمثل كل الشيعة في البحرين بل تتهم أي شيعي يخرج عن طاعتها بأنه خائن وعميل وصهيوني، وباع طائفته من أجل حفنة دنانير، مجموعات تتموضع يترأسها من يتغير وفق الموقف الأمني تارة تعادي شاهراً ظاهراً وتارة تناور وتتماهى مع المشهد حتى تحافظ على نفسها وتستمر.
ما هي «استراتيجية» الدولة للمعالجة الجذرية وعدم ترك الطائفة تحت رحمة هؤلاء المستفيدين من هذه الحالة المتكررة؟ ما هي الخطة الشاملة لتخليص الشيعة البحرينيين الأصيلين المواطنين الصالحين -وهم كثير لو تعلمون- من سطوة هذه الجماعة، وإرهابهم وقمعهم، حتى نعمل سوياً على بناء أسس صحيحة للوحدة الوطنية الحقيقية الشاملة الشيعية والسنية تحت لواء الدولة من جديد كما كانت عليه وأفضل.
كيف استعدت الدولة لليوم التالي بعد أن تهدأ نيران الحرب؟ وبعد انتهاء النظام المعادي للدول الخليجية والراعي لتلك الجماعة والممول لها.
كيف استعدت البحرين بعد وقوف العالم كله بشرقه وبغربه وتصديه للنظام الإيراني المارق، وبعد سقوط وكلاء هذا النظام واحداً تلو الآخر، وبعد أن أعلنت جميع الدول الخليجية والدول العربية حربها على الوكلاء بمساعدة ودعم دولي؟ بماذا تفكر مملكة البحرين للاستفادة من هذه المستجدات والمتغيرات الدولية والإقليمية والمحلية التي جاءت كلها في صالح الدولة الوطنية؟ كيف ستنتهز البحرين هذه الفرصة التي لن تتكرر لتحرر شيعة البحرين من سطوة هذه الجماعة المدعومة إيرانياً والعودة بأبناء البحرين لحضنها وهم غانمون سالمون لحضن الدولة.
الشيعة مكون أساسي من مكونات الدولة، والمذهب الجعفري عقيدة دينية كغيرها من العقائد التي يحترمها الدستور البحريني الذي يرعى حرية الفكر، بل الدولة توفر كافة السبل كي يمارس الشيعي البحريني عقيدته بحرية وسلام، الدولة ليست معنية بالمعتقدات وممارساتها.
فلا الدولة ولا أطياف المجتمع البحريني لديهم رغبة في المساس بالعقائد المذهبية الشيعية بمختلف تلوناتها، ولا في ممارساتها، ولا في طقوسها ولا في صغيرة من صغائر المذهب أو كبيرة، إنما السؤال هو كيف ننهي حالة العداء السياسي التي نجحت تلك الجماعة في زرعها بين شرائح كبيرة في الطائفة الشيعية وإقناعها أنها في حالة عداء مذهبي وديني معها، وأن من يقف مع الدولة هو عدو للدين والمعتقد وخيانة له.
ما الذي تفكر به الدولة للتأكد من التزامات كافة مواطنيها بالولاء والانتماء لها، وبضوابط الدولة الدستورية والقانونية، وهي التزامات على كل المواطنين سنة وشيعة.
محاولة تحييد خطر تلك الفئة على أمن الدولة وسلمها الاجتماعي كلها باءت بالفشل مع الأسف، فترك الباب مفتوحاً لها بالعفو عن مرتكبي الجرائم منها، بالاسترضاء، بالاكتفاء بمخاطبة أولياء الأمور، بمناشدة رجال الدين منهم، بترك مساحة (الخصوصية) تتسع حتى طالت ثوابت الدولة كدليل حسن نية، كلها تجارب لم تدخل العمق، لم تخاطب الفكر، لم تزل الخوف والحاجز بينها وبين الشيعة بالرغم من كل صور اليد الممدودة التي قامت بها الدولة وأجهزتها، إلا أن تلك الجماعة كانت هي الأقرب للطائفة وهي التي تعيد تسمية الأشياء لهم وتملك زمام السيطرة على الشرائح الواسعة خاصة في القرى التي أغلقت تماماً على نفسها داخل مواقعها السكنية التي ساهمت الدولة في تكريس عزلتها.
والنتيجة شهدناها في الشهر الأخير حين تم الكشف عن التواصل والعمل المباشر مع الحرس الثوري الإيراني وتبليغهم عن مواقع الأهداف ومساعدتهم على قصفنا، ومشاهدة كم التعاطف مع نظام يحاربنا مما يعد خيانة عظمى مع سبق الإصرار والترصد، مما وضع شيعة البحرين المواطنين الملتزمين بالدولة ودستورها وهم كثر في موضع حرج وأضرهم ضرراً كبيراً محلياً وخليجياً بل وعربياً، وعبر الكثير منهم عن رغبته بتدخل الدولة وحمايته ومساعدته في إبعاد تلك المجموعات عنهم.
فما الذي تفكر به الدولة؟ سؤال إجابته لابد أن تكون تغييراً جذرياً في الأفكار عما سبق وتمت محاولته، تغييراً جذرياً في الإجراءات، تغييراً جذرياً في القوانين والتشريعات، جرأة وشجاعة تقتضي مواجهة هذا الفكر في عقر داره وتفكيكه بنيوياً، ووضع استراتيجية شاملة لمحاربة الفتنة الطائفية التي عزلت الشيعة عن أشقائهم في الوطن، وقطعت حبل الصلة مع عمقهم الاستراتيجي العربي الأصيل وعن دولتهم التي يستظلون بظلها.
سؤال تحتاج كافة مؤسسات الدولة أن تقدم له إجابة وكافة المعاهد ومراكز الدارسات والمؤسسات المدنية والمجلس الأعلى للمرأة الذي ممكن أن يلعب دوراً هاماً جداً في اختراق الحواجز التي بنتها تلك الجماعات وحالت بين أسر ونساء لشرائح كبيرة من الشيعة وبين الدولة.
غير مسموح بإعادة تجريب المجرب.