مع الحديث عن "حصار بحري" وتوترات متصاعدة، يعود السؤال الأهم إلى الواجهة، إذ من يسيطر فعلاً على "مضيق هرمز"؟! هل هو تحت قبضة طرف واحد؟! أم أننا أمام حالة أكثر تعقيداً، تحكمها موازين القوة والردع؟!
وفق المعطيات الميدانية والتقارير الحديثة، المضيق لا يخضع لسيطرة كاملة لأي دولة، بل يعيش حالة تجاذب استراتيجي بين الولايات المتحدة وإيران. الأخيرة تملك الجغرافيا والنفوذ القريب من الممر، بينما تمتلك الولايات المتحدة وحلفاؤها القدرة العسكرية على حماية الملاحة ومنع الإغلاق الكامل.
وبين هذا وذاك، يبقى المضيق في حالة "توازن هش"، مفتوحاً ظاهرياً، لكنه محاط بتهديد دائم.
التطورات الأخيرة، ومنها ما كشفته التقارير الدولية عن ضغوط إقليمية لإعادة التهدئة، تعكس حجم القلق من الانزلاق نحو مرحلة أكثر خطورة. فالدفع باتجاه استئناف المفاوضات، ووجود دعوات -من بينها تحركات باكستانية لعقد جولة ثانية- يشير إلى إدراك جماعي بأن استمرار هذا الوضع لا يمكن أن يطول دون كلفة باهظة على الجميع.
الحديث هنا لم يعد فقط عن مواجهة سياسية، بل عن خطر حقيقي على أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.
مضيق هرمز شريان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، إلى جانب سلاسل إمداد حيوية تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من المنطقة. أي اضطراب فيه لا ينعكس فقط على دول الخليج العربي، بل يمتد تأثيره إلى الأسواق العالمية، وأسعار الطاقة، وحتى الأمن الغذائي في بعض الدول.
جوهر القضية لا يجب أن يُختزل في سؤال "من يسيطر؟"، بل في واقع يفرض نفسه، بألا يكون هذا المضيق خاضعاً لأي سيطرة أصلاً.
القانون الدولي واضح في هذا السياق. المضائق البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، تُعد من الممرات الدولية التي يجب أن تبقى مفتوحة وآمنة أمام الملاحة العالمية، دون قيود أو رسوم أو تهديدات. لا يحق لأي دولة أن تغلقه أو تحتكره أو تستخدمه كورقة ضغط، لأن ذلك يعتبر انتهاكاً قانونياً، وتهديداً مباشراً لاستقرار الاقتصاد العالمي.
اليوم ما يحصل هو صراع إرادات، لكن ما يجب أن يُفرض في النهاية هو منطق المصالح المشتركة.
هناك جهود دولية حثيثة لإعادة المضيق إلى وضعه الطبيعي، كممر آمن ومستقر، بعيداً عن التصعيد والاستعراض العسكري. هذه الجهود لا تنطلق من إدراك أوسع بأن أي خلل في هذا الممر سيصيب الاقتصاد العالمي في عمقه.
هنا التأكيد أيضاً، بأن العودة إلى طاولة المفاوضات ضرورة استراتيجية. فالحلول العسكرية، مهما بدت مغرية لبعض الأطراف، لن تؤدي إلا إلى توسيع دائرة الخطر، وربما نقل التهديد إلى ممرات أخرى أكثر حساسية، كما تُحذر بعض التقديرات.
مضيق هرمز لا يجب أن يكون ساحة صراع، ولا ورقة تفاوض، ولا نقطة اختبار للقوة. بل يجب أن يبقى كما كان، ممراً دولياً مفتوحاً للجميع، تحكمه القوانين الدولية وتحميه إرادة جماعية تمنع تحويله إلى بؤرة توتر دائم، أو أن تسيطر عليه إرادة منفردة، هي مخالفة لكل الأعراف والقوانين.