تابعتُ، وتابع معي الجميع، المحاولات الإيرانية في تشويه الحقائق، وتبرير العدوان الإيراني الغاشم على مملكة البحرين ودول الخليج العربية، وذلك عبر نشر الإشاعات والأكاذيب، في أكثر من مكان. ولكن ما شاهدناه جميعاً من خلال صراخ رئيس الوفد الإيراني المشارك في اجتماعات الجمعية العامة للاتحاد البرلماني الدولي 152، والتي انعقدت في مدينة إسطنبول التركية، يمثّل إضافة جديدة من خلال اجتماع عالمي.
محاولات التشويش هذه لم تُثنِ معالي رئيس مجلس النواب، السيد أحمد بن سلمان المسلم، من مواصلة حديثه، والردّ على الأكاذيب الإيرانية، والتي جاءت بأسلوب، أقل ما يقال عنه، إنه لا يرتقي لمستوى برلمانيين أو دبلوماسيين واجتماع دولي بهذا الحجم.
ما جرى في تلك القاعة مثّل اختباراً حقيقياً لصوت البحرين في واحدة من أهم المنصات البرلمانية الدولية؛ وهنا تحديداً تتجلى قيمة الدبلوماسية البرلمانية، ليس كأداة تكميلية، بل كخط دفاع متقدّم عن الوطن وعن روايته وعن حقّه في سماع صوته بوضوح وسط كل محاولات التضليل.في كلمته، لم يذهب رئيس مجلس النواب إلى ردود انفعالية، رغم الاستفزاز، بل قدّم نموذجاً مختلفاً؛ خطاباً هادئاً يستند إلى القانون الدولي، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، خطاباً لا يرفع الصوت بقدر ما يرفع الحُجّة، ولا يلاحق الاتهامات بقدر ما يكشفها ويضعها في سياقها الحقيقي.
الدبلوماسية البرلمانية التي تحدّث عنها رئيس مجلس النواب تحوّلت إلى ممارسة فعلية، حيث تحدّث عن دور السلطة التشريعية في التشريع والرقابة، فهو يربط الداخل بالخارج، ويؤكد أن قوة الموقف الخارجي تبدأ من تماسك الجبهة الداخلية، ومن وضوح الرؤية الوطنية، وحين يتحرك البرلمان خارجياً، فهو يحمل معه موقف دولة كاملة.
الأهم في الكلمة كان نقل القضية من إطارها الإقليمي إلى بُعدها الدولي. فالحديث عن الاعتداءات الإيرانية لم يُطرح كخلاف سياسي، بل كخرق صريح للقانون الدولي، واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، واستهداف مباشر للمدنيين والبنية التحتية. هذا التحوّل في الطرح ينقل النقاش إلى مساحة الوقائع القانونية التي يصعب إنكارها.
ما لفتني شخصياً في الكلمة أيضاً، أنها لم تغرق في لغة المواجهة فقط، بل حافظت على بُعدها الإنساني، حيث الحديث عن الأجيال القادمة وعن العدالة وعن السلام المستدام، مما يعكس فهماً أعمق لطبيعة الصراع؛ والذي أصبح صراعاً على مستقبل المنطقة بأكملها.
وأخيراً، فإن ما حدث في إسطنبول لم يكن مجرد خطاب، بل رسالة تقول إن البحرين تعرف كيف تدافع عن نفسها، ليس فقط بالقوة، بل بالكلمة والقانون وبالحضور الذكي في المحافل الدولية. ورسالة أخرى، ربما أهم، أن صوت البحرين، حين يكون واثقاً وواضحاً، لا يمكن أن يضيع حتى وسط الضجيج ومحاولات التشويش الرخيصة.