زهراء حبيب


في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها مضيق هرمز وما يرافقها من توترات إقليمية متصاعدة، تبرز قضية أمن الطاقة بوصفها أحد أهم التحديات الاستراتيجية التي تواجه الاقتصاد العالمي اليوم، متجاوزةً حدودها التقليدية المرتبطة بتأمين الإمدادات إلى كونها ملفاً سيادياً وأمنياً ذا أبعاد جيوسياسية معقدة.

وفي هذا السياق، أكد الرئيس التنفيذي لمجموعة «تريندز للبحوث والاستشارات» د. محمد عبدالله العلي أن ما يجري في هذا الممر الحيوي يعكس حقيقة استراتيجية لا يمكن إغفالها، مفادها أن أي تهديد للممرات البحرية الدولية لا ينعكس فقط على أسواق الطاقة، بل يمتد تأثيره ليطال استقرار الاقتصاد العالمي برمته، بما في ذلك قطاعات النقل والصناعة والغذاء والتكنولوجيا.

وأوضح د. العلي، في حديث خاص لـ«الوطن»، أن محاولات توظيف المضيق كورقة ضغط سياسي أو اقتصادي تمثل خطراً بالغاً على النظام الدولي، محذراً من تداعيات السماح بتحويل هذا الشريان الحيوي إلى أداة ابتزاز تؤثر على حركة التجارة العالمية.

كما أشار إلى أن هشاشة بعض القطاعات الحيوية، مثل السفر والطيران والزراعة وسلاسل الإمداد الصناعية، تكشف مدى الترابط العميق بين استقرار الممرات البحرية وأمن الاقتصاد العالمي، مؤكداً أن أي اضطراب فيها ينعكس سريعاً على مؤشرات النمو والتضخم والتوازنات التجارية للدول.

ويشرح د. العلي خلال اللقاء الأبعاد الاقتصادية والسياسية للأزمة، والفترات المتوقعة للتعافي، إضافة إلى انعكاساتها على الأسواق العالمية، ودور دول الخليج في إعادة صياغة مفهوم أمن الطاقة ضمن إطار أكثر شمولاً يقوم على التنويع والربط الاستراتيجي للممرات البديلة. وفيما يلي نص الحوار:

- ما الأبعاد الاقتصادية والسياسية للتوترات بمضيق هرمز، أو فرض رسوم على العبور في المرحلة المقبلة، في حال استمرار الوضع على ما هو عليه؟

مضيق هرمز هو أهم ممر مائي لنقل الطاقة في العالم، يمر عبره يومياً ما بين 18 و20 مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية، تشكل نحو 20% من الاستهلاك العالمي، كما يمر عبره أيضاً نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميّاً.

وبالتالي، فإن أي اضطرابات أو توترات في هذا المضيق تعني بكل بساطة خلق أزمة طاقة عالمية، وهذا هو ما نشهده اليوم.

فمع إغلاق المضيق وتعطيل حرية الملاحة من خلاله طوال ما يقرب من شهرين، شهد العالم ما وصفه المدير التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة، فاتح بيرول، بأنها "أسوأ أزمة طاقة واجهها العالم على الإطلاق"، معتبراً أن الوضع الحالي في أسواق الطاقة العالمية أسوأ من الأزمات السابقة في أعوام 1973 و1979 و2022 مجتمعة.

وبلا شك، فإن استمرار هذا الوضع سيفاقم من التداعيات الخطيرة على الاقتصاد العالمي كله، وسيقيّد حركة الاقتصاد ومعدلات النمو العالمي وحركة الطيران والسياحة.

كما أنه سيمتد بتأثيراته ليخلق أزمة غذاء عالمي، حيث يمر عبر مضيق هرمز نحو 20-30% من صادرات الأسمدة النيتروجينية والفوسفاتية العالمية، وتعطُّل سلاسل هذه الإمدادات سيرفع أسعار المواد الغذائية، ويضع ملايين الأشخاص في خطر الجوع.

لكن الأخطر من كل ذلك هو السماح لإيران بابتزاز العالم، سواء من خلال محاولة السيطرة على هذا المضيق، أو حتى من خلال محاولة فرض رسوم على العبور من خلاله؛ ما يجعله مصدراً ماليّاً قويّاً لتمويل أنشطة النظام الإيرانية التخريبية والعدائية في المنطقة. لا أعتقد أن أحداً في العالم سيسمح بذلك، أو سيقبل بأن يكون هذا الممر الحيوي العالمي خاضعاً لابتزاز طهران.

- في حال تأمين مضيق هرمز، وانتهاء الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية، إن نجحت المفاوضات، ما الفترة الزمنية المتوقعة لتعويض الخسائر الاقتصادية في أمن الطاقة؟

⁠للأسف، سيحتاج العالم إلى بعض الوقت للتعافي؛ فبعض الدول، مثل قطر التي تُعد أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، تضررت منشآتها وأعلنت أنها تحتاج إلى بعض الوقت. كما أشار الاتحاد الدولي للنقل الجوي إلى أن إمدادات وقود الطائرات قد تستغرق أشهراً للتعافي من آثار الحرب. أضف إلى ذلك أن الخسائر في البنية التحتية، خاصة منشآت الطاقة والنقل، تتطلب استثمارات ضخمة؛ ما يجعل التعافي الفوري أمراً صعباً.

ولكن يجب ملاحظة أن أمد التعافي من الخسائر سيختلف بحسب أوضاع الدول والأقاليم الاقتصادية والمستوى التنموي؛ ففي الإقليم الخليجي، ولاسيما في النموذج الإماراتي، فإن التعافي الاقتصادي من الخسائر في أمن الطاقة -حال التوصل لتسوية شاملة للأزمة- قد يستغرق وقتاً قصيراً؛ استناداً إلى صلابة الموازنات العامة، ورسوخ القدرات التصديرية، وبرامج التعافي المعتمدة على قدرات الصناديق السيادية.

فيما ستحتاج الدول الأوروبية إلى نحو 12 شهراً للتعافي وتعويض خسائر مؤشرات أمن الطاقة، فإن الدول النامية، ولاسيما الثقيلة المديونية، قد تستغرق ما يزيد على 18 شهراً لاحتواء تداعيات أسعار طاقة أعلى من المتوسطات المحسوبة في موازناتها، فضلاً عن التدهور الحاد في مؤشرات أسعار الصرف الذي تكبدته؛ بفعل أزمة مضيق هرمز.

- إلى أي مدى يمكن اعتبار هذه الخطوة ابتزازاً سياسيّاً أو ورقة ضغط؟

⁠بالتأكيد هي ورقة ضغط وابتزاز سياسي واقتصادي يمارسه النظام الإيراني للعالم كله، وعلى المجتمع الدولي أن يرفض هذا الابتزاز.

لقد وصف البعض مضيق هرمز بأنه القنبلة النووية التي تمتلكها طهران لتهديد العالم، وعلى الولايات المتحدة والعالم منع إيران من ممارسة أي سيطرة على مضيق هرمز، واعتبار ذلك بنفس أهمية منعها من امتلاك أسلحة نووية.

- هل الأسواق العالمية قادرة على استيعاب صدمة تقييد أو التوترات الملاحية في المضيق فترة أطول من الوضع الراهن؟

يجب النظر للأسواق العالمية المتأثرة بصدمة التوترات في مضيق هرمز بحسب نوع الأسواق ومدى ارتباطها بتقلبات أسواق الطاقة والزراعة؛ إذ إن هناك أسواقاً ترتبط ارتباطاً مباشراً بالطاقة؛ مثل قطاعات النقل والسفر والسياحة والصناعات الكثيفة الطاقة، وهناك أسواق ترتبط بهذه الصدمة بطريقة غير مباشرة.

وفي حالة قطاعات السفر والسياحة والزراعة المعتمدة على الأسمدة المستوردة من الخليج، فإن هذه الأسواق غير قادرة على الصمود لمدة أطول. يؤكد ذلك إعلان كبريات شركات الطيران احتمال تعرضها للتوقف القريب مع قرب نفاد مخزونات وقود الطائرات. كما أن العديد من الشركات الزراعية، وشركات تصنيع الرقائق الإلكترونية، والشركات المعتمدة على مدخلات الألمونيوم تعاني هي الأخرى نقصاً في بعض المواد الصناعية التي تُنقل عبر مضيق هرمز.

ورغم ذلك، فإن بعض الأسواق العالمية قادرة على احتواء أزمة مضيق هرمز لفترات أطول نسبياً، بما في ذلك بعض اقتصادات أمريكا اللاتينية وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وأستراليا وكندا، ولا سيما المنتجة للنفط منها.

- كيف غيّر تحوّل أمن الطاقة إلى قضية سياسية عابرة للحدود من طبيعة التعاطي الدولي مع هذه التهديدات؟

تكشف التطورات الأخيرة في مضيق هرمز عن حقيقة استراتيجية لم تعُد قابلة للتجاهل، مفادها أن أمن الطاقة لم يعُد شأناً قطاعيّاً مرتبطاً بالإمدادات فحسب، بل أصبح قضية سيادية عابرة للحدود أيضاً، تتقاطع فيها اعتبارات الاقتصاد العالمي مع معادلات الأمن والاستقرار الدولي.

ومن هنا، فإن الرد الدولي يجب أن يكون حاسماً في منع التوظيف الأمني والسياسي لورقة المضيق وإمدادات النفط من قبل النظام الإيراني؛ لأنه سيعني أن يخضع العالم في المستقبل لابتزاز هذا النظام الإرهابي.

- ما المقصود باستراتيجية الربط الدفاعي في حماية الممرات البحرية التي تحدثت عنها في ندوة "دراسات"؟

⁠ استراتيجية "الربط الدفاعي" تعني ربط مصالح الدول المستهلكة الكبرى بشكل عضوي باستقرار الممرّات البحرية، من خلال شراكات طاقة مهيكلة، ومنصات لوجستية عالمية، بما يجعل أي تهديد لهذه الممرات تهديداً مباشراً لمصالح هذه الدول؛ وبالتالي يكون محفّزاً لتحرّك دولي تلقائي لحمايتها.

- هل يشكل تهديد المضيق دافعاً لتحرك دولي مباشر لحماية المصالح العالمية؟

⁠ أظهرت الأحداث الأخيرة أن هذا المضيق، مع ضيقه الجغرافي، يمثّل نقطة ارتكاز بالغة الحساسية في النظام الاقتصادي العالمي، وأن أي اضطراب فيه ينعكس فوراً على الأسواق العالمية، وسلاسل الإمداد، والاستقرار الاجتماعي، في مختلف دول العالم من أقصاه إلى أدناه، ومن شماله إلى جنوبه.

وبالتالي، فإن هذه الأحداث يجب أن تشكل أكبر دافع للقوى العالمية كلها للتحرك من أجل حماية مصالحها، والدفاع عن هذا المضيق.

وتبرز هنا الحاجة إلى قيام دول المنطقة بقيادة تحرك دولي لتجريم استخدام الممرات البحرية كأداة ضغط سياسي أو اقتصادي، وتطوير أطر قانونية أكثر إلزاماً لحماية حرية الملاحة، وبناء تحالفات إقليمية ودولية لحماية الممرات الحيوية، انطلاقاً من أن أمنها مسؤولية مشتركة تتجاوز حدود المنطقة.

- ما المطلوب من دول الخليج مستقبلاً لضمان أمن إمداداتها بعيداً عن الاعتماد على ممرات محدودة؟

⁠بطبيعة الحال، لم يَعُد كافياً تأمين تدفّق النفط والغاز عبر مسارات تقليدية محدّدة، بل يجب إعادة تعريف أمن الطاقة بوصفه "أمناً شبكيّاً" يقوم على تنويع المسارات وتكاملها. ويشمل ذلك:

• تطوير منظومة إقليمية مترابطة من الممرّات البحرية والبرّية وخطوط الأنابيب، بما يحدّ من تأثير نقاط الاختناق؛ مثل مضيق هرمز.

• تسريع مشاريع الربط بين موانئ الخليج العربي والبحر الأحمر؛ ضمن إطار لوجستي موحّد.

• تعزيز الاستثمارات في البنية التحتية البديلة، باعتبارها تأميناً استراتيجيّاً طويل الأمد، وليس خياراً تنمويّاً مؤجلاً.

- إلى أي مدى، نجحت دول الخليج في تنويع منافذ تصدير الطاقة؟

لقد حققت دول الخليج نجاحات راسخة في تنويع منافذ تصدير الطاقة؛ إذ تعتمد في بعض البدائل على تجارة الغاز البينية، ولاسيما في خط غاز بين قطر ودولة الإمارات.

كما رسخت دول الخليج مساعيَ مبكرة لتجاوز مضيق هرمز؛ فقد عمدت كل من دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية إلى تطوير خطوط أنابيب نفط تبعد عن قلب الأزمة في مضيق هرمز. وفيما يتمكن خط أنابيب حبشان من نقل نحو 1.8 مليون برميل نفط يوميّاً، فإن خط شرق-غرب السعودي قادر عن نقل نحو 7 ملايين برميل نفط يوميّاً.

ورغم ذلك، وفيما تخلق هذه القدرات التصديرية المتنوعة نافذة للتصدير الأقل حساسية للتوترات في مضيق هرمز، فإنها تظل حساسة للتهديدات الجيوسياسية الأوسع نطاقاً في إقليم الخليج العربي، ولاسيما في ظل تعرض البنية التحتية لنقل الطاقة للاعتداءات الإيرانية.

- ما طبيعة التحالفات الدولية المطلوبة من دول الخليج في المرحلة المقبلة؟

⁠دول الخليج مطالبة، كما ذكرت، ببناء تحالفات إقليمية ودولية لحماية الممرّات الحيوية، انطلاقاً من أن أمنها مسؤولية مشتركة تتجاوز حدود المنطقة، ومطالبة كذلك بأن تكون فاعلة ونشطة في أي تحالفات تستهدف بشكل خاص أمن الملاحة في مضيق هرمز أو حتى مضيق باب المندب.

كما أن عليها إعادة النظر في علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع الدول المختلفة، وفقاً لمواقفها من الحرب العدوانية التي شنتها إيران على دول الخليج.

- هل يمكن البناء على تجربة الربط الكهربائي الخليجي لإنشاء ممرات طاقة بديلة؟

فيما تعتمد محطات توليد الطاقة الكهربائية الأكثر كفاءة على الغاز الطبيعي، فإن توسيع وتمتين شبكات الربط الكهربائي الخليجي قد يدعمان الاستهلاك الخليجي الكفء والاقتصادي للطاقة، وبصورة تقلل من التداعيات على اقتصاداتها، حال إغلاق مضيق هرمز.

ومن خلال توسيع شبكات الربط الكهربائي، يمكن تصدير الطاقة بطريقة غير مباشرة للأسواق القريبة من إقليم الخليج. غير أن وفرة مصادر الطاقة في معظم دول الإقليم ستضيّق مساحة الحركة والتصدير أمام قطاع تصدير الطاقة، كما تقلل من قدرته على استبدال صادرات الطاقة عبر مضيق هرمز. أيضًا، تظل بنية نقل الطاقة البديلة في حاجة لحماية أمنية عالية التكاليف الدفاعية والسيبرانية؛ ما يقلل من ربحية هذه البدائل مقارنة بالنقل البحري للطاقة.

- مَن سيتحمل التكلفة الكبرى لأي تصعيد في المضيق: المنتجون أم المستهلكون؟

اقتصاديّاً، ستكون الدول المنتجة للنفط، التي تتسم بأنها أقل إمكانية في تنويع اقتصاداتها، والمستهلكون في الدول النامية الثقيلة المديونية والمنكشفة على تجارة الطاقة، هما الأكثر عرضة لأضرار إغلاق مضيق هرمز لفترات أطول أو تصعيد أوسع نطاقاً في المضيق.

أما منتجو النفط الأكثر تنويعاً لاقتصاداتهم، والمنتجون الأعلى قدراتٍ تصنيعيةً في قطاعات غير نفطية، بالإضافة للدول المستوردة للنفط صاحبة المستويات التنموية المرتفعة، فإن لديهم من القدرات الاقتصادية ما يجعلهم ينفذون برامج حماية اقتصادية واجتماعية تقلل من تكلفة التصعيد في المضيق، أو تبطئ من تأثيراتها وتداعياتها على اقتصاداتها لأجل أطول، ولكن من دون حماية كاملة أو غير محدودة من هذه التداعيات، حال طال أمد الحرب.

- ما الفرص التي يمكن أن تخلقها هذه الأزمة لدول الخليج لتعزيز موقعها في أمن الطاقة العالمي؟

في الأجل القصير، لا تزال هناك فرص تخلقها الأزمة؛ منها الاستثمار في أصول الناقلات العملاقة للنفط، التي يمكن أن تقدم فوائد مزدوجة للنقل في أوقات السلم، وللتخزين الآمن في أوقات الحرب. كما ستخلق تداعيات الحرب فرصاً مجدية للشركات الوطنية العاملة في قطاعات التشييد والإصلاح والصيانة والحماية السيبرانية للبنية التحتية للطاقة الخليجية.

في الأجلين المتوسط والطويل، يمكن أن تتعزز هذه الأزمة من الإدارة الاقتصادية لأزمات الطاقة عبر نمذجة التداعيات الحالية، وتطوير سيناريوهات موثوق بها بكفاءة الاختبار العملي. كما ستفيد هذه الأزمة في إعادة هيكلة الاستثمارات السيادية الخليجية وموازنتها بين الاستثمارات الدولية والاستثمارات المحلية.

كما يمكن أن تستفيد أنشطة تشييد أنابيب النفط ومحطات وأرصفة الشحن من تداعيات الأزمة لتطوير بنية أساسية أكثر صلابة وأقل عرضة للتهديدات. فضلاً عن ذلك، فإن هذه الأزمة يمكن أن تخلق فرصاً في الاستثمار في القطاعات التصنيعية الموظّفة للطاقة محليّاً، والزراعة الموظّفة للأسمدة الخليجية، التي تقلل من الحساسية للتصدير، وتفيد في برامج تكنولوجية تحل محل الواردات، بما يقلل في النهاية من الحساسية الخليجية للتجارة الخارجية، ولاسيما المارّة عبر مضيق هرمز.