سماهر سيف اليزل


أكدت الكاتبة سوسن الشاعر، خلال محاضرتها بعنوان «عام عيسى الكبير» في جمعية رعاية الطفل والأمومة، أنها شعرت بأن تاريخ البحرين مكتوب وموجود بالفعل، ويمكن الوصول إليه في المكتبات أو لدى من يحتفظون بالكتب في منازلهم، إلا أن هذا التاريخ – على حد وصفها – لا يزال بعيداً عن معرفة الأجيال، بل وحتى بعض من جيلها، الذين لم يكونوا ملمين به أو مدركين لقيمته وحجم الجهد الذي بُذل للوصول إلى ما وصلت إليه البحرين اليوم.

وقالت إن ما يتم تداوله في المدارس أو الكتب يقتصر غالباً على سرد ما حدث، دون التطرق إلى الكيفية التي حدث بها، مشيرة إلى أن هناك فرقاً كبيراً بين أن يرث الإنسان شيئاً ذا قيمة، وبين أن يعرف قصة هذا الشيء وكيف وصل إليه، حيث إن معرفة التفاصيل تضاعف من قيمته ومعناه.

وأضافت أن البحرين دولة ننعم بخيراتها اليوم، لكن النظرة تختلف تماماً عندما يعرف الإنسان كيف تأسست، وما الذي مرّت به من أحداث وتضحيات، موضحة أنها أثناء قراءتها للتحضير لكتابها اكتشفت حجم التاريخ الغني بالأحداث والمواقف، مؤكدة أن هناك تقصيراً كبيراً في معرفة هذا التاريخ بتفاصيله الدقيقة، وما دُفع من أثمان لتحقيق ما وصلت إليه الدولة.

وأوضحت أن بداية الدولة لا يجب أن تُختصر في عام 1783، بل تعود إلى عام 1762 عندما استقر «آل خليفة» في الزبارة، معتبرة أن تلك المرحلة شكّلت التأسيس الحقيقي للدولة، حيث كانت هناك سيادة وحكم وولاءات وقلاع، إضافة إلى علاقات ممتدة مع البحرين قبل دخولها.

وبيّنت سوسن الشاعر أن دخول «آل خليفة» إلى البحرين تحيط به روايات متعددة، وكل طرف يروي من وجهة نظره، مؤكدة أن الوصول للحقيقة يتطلب قراءة مصادر متعددة، من وثائق بريطانية ومؤرخين ورحالة، ومقارنتها للوصول إلى الرواية الأكثر منطقية، مشيرة إلى أن تاريخ البحرين لم يُنصف بالشكل الكافي.

وأشارت إلى أن الفترة الممتدة من 1783 حتى 1869، وهي فترة ما قبل تولي الشيخ عيسى بن علي آل خليفة الحكم، كانت مليئة بالأحداث والتحديات، مؤكدة أنها فترة غنية بالقصص التي لا تقل عن تلك التي تُعرض في الدراما العالمية عن الممالك، بل ربما تفوقها من حيث عمق التضحيات والصراعات.

وأكدت أن البحرين واجهت أطماعاً إقليمية ودولية عديدة نظراً لموقعها الاستراتيجي، إلى جانب القوى الكبرى، مشيرة إلى أن صمود البحرين في وجه هذه التحديات لم يكن أمراً سهلاً، بل جاء نتيجة قوة وإصرار وتضحيات كبيرة.

وأضافت أن البحرين استطاعت الحفاظ على سيادتها، رغم صغر مساحتها مقارنة بالقوى المحيطة بها، بل وحققت انتصارات عسكرية مهمة، مؤكدة أن ذلك يعكس حجم الجهد الذي بُذل للحفاظ على هذه الدولة.

وتطرقت إلى تسلسل حكم آل خليفة منذ الزبارة، بدءاً بمحمد بن خليفة ثم خليفة بن محمد، وصولاً إلى الشيخ أحمد الفاتح، ومن بعده الحكام الذين تعاقبوا حتى الشيخ عيسى بن علي، مؤكدة أن هذه المسيرة شهدت معارك وتضحيات كبيرة، وأن من يحاول التقليل من شأن الدولة اليوم لا يدرك حجم الثمن الذي دُفع لبقائها.

وشددت على ضرورة التفريق بين «الحضارة» و«الدولة»، موضحة أن البحرين تمتلك حضارة قديمة تعود إلى ما قبل الميلاد، إلا أن الدولة ككيان سياسي لها عناصر محددة، تشمل الأمن والقانون والسيادة، وهي التي تأسست قبل نحو 250 عاماً.

وأكدت أن استقرار البحرين لم يكن صدفة، بل نتيجة إدارة واعية للتنوع المجتمعي، حيث نشأ الشيخ عيسى بن علي في بيئة متعددة الثقافات في المنامة، وشهد تعايشاً بين مختلف الأديان والأعراق، ما أسهم في تكوين فكر منفتح لديه.

وقالت إن هذا التنوع شكّل تحدياً كبيراً في بناء هوية وطنية واحدة، مؤكدة أن توحيد مجتمع متعدد تحت راية واحدة ليس بالأمر السهل، لكنه تحقق بفضل إدارة حكيمة قادرة على استيعاب هذا التنوع.

وأوضحت أن النهضة التي شهدتها البحرين في التعليم والصحة والإدارة لم تكن عشوائية، بل جاءت نتيجة رؤية متكاملة، حيث كانت جميع الخطوات مترابطة ضمن تصور واضح لبناء الدولة.

وبيّنت أن صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي تولى الحكم في سن مبكرة بعد ظروف صعبة، وأن اختياره جاء ببيعة شعبية موثقة، ما يعكس شرعية الحكم.

وأكدت أن البحرين لم تكن مستعمرة في أي مرحلة، بل كانت تحت اتفاقيات حماية لا تمس سيادتها، موضحة الفرق بين «المحمية» و«المستعمرة» وفق القانون الدولي، وأن انتهاء الوجود البريطاني عام 1971 كان انتهاءً لاتفاقية، وليس استقلالاً بالمعنى المتداول.

ودعت إلى إعادة قراءة هذه المفاهيم وتصحيحها، مشددة على أهمية مناقشة التاريخ بشكل علني، وعدم ترك السرديات غير الدقيقة دون تصحيح.

كما استعرضت جانباً من الإنجازات التي تحققت في عهد الشيخ عيسى بن علي، مثل تنظيم الإدارة المالية، وتأسيس المجالس الإدارية، وإنشاء البلدية، وإطلاق التعليم النظامي، وتطوير القطاع الصحي، مؤكدة أن هذه الخطوات سبقت كثيراً من دول المنطقة.

وأشارت إلى أن البحرين أصبحت وجهة إقليمية للعلاج والتعليم والتجارة، حيث كان أبناء الخليج يقصدونها لهذه الأغراض، ما يعكس نجاح الرؤية التي قادت عملية البناء.

وأكدت أن هذه الإنجازات لم تكن لتتحقق لولا وجود مظلة سياسية تنظم العلاقات داخل المجتمع، وتمنع الصراعات، وتضمن الاستقرار. وفي ختام محاضرتها، شددت سوسن الشاعر على أن تاريخ البحرين زاخر بالتضحيات والإنجازات، داعية إلى ضرورة نقله للأجيال بشكل واعٍ، وعدم الاكتفاء بسرده كوقائع، بل فهمه وتحليله، مؤكدة أن شعب البحرين كان شريكاً أساسياً في بناء الدولة والحفاظ على استقرارها.

وقالت إن هذه المحاضرات تمثل خطوة مهمة لإحياء الوعي التاريخي، معربة عن أملها في أن تتوسع الجهود البحثية في هذا المجال، ليبقى التاريخ حاضراً في الوعي لا حبيس الرفوف.