في مساء هادئ، وعلى امتداد ممشى الاستقلال، كدتُ أتفادى اصطدام طفل يقود سكوتراً بسرعة، بينما كان أحد المارة يحاول استخدام جهاز رياضي صُمم أساساً للكبار، لحظة عابرة، لكنها تختصر مشهداً يتكرر يومياً، ويكشف عن فجوة بين جودة ما أُنجز من مشاريع، وطريقة استخدامه على أرض الواقع.
خلال السنوات الأخيرة، قطعت مملكة البحرين شوطاً ملحوظاً في تطوير المماشي الرياضية، حتى تجاوز عددها الأربعين ممشى موزعاً على مختلف المحافظات، من الرفاع ومدينة عيسى إلى المحرق والحد، في إطار رؤية تعزز جودة الحياة وتشجع على النشاط البدني، هذه المماشي تعد فضاءات اجتماعية نابضة بالحياة، تستقطب العائلات ومحبي الرياضة بمختلف أعمارهم، خاصة في الفترات المسائية التي تشهد كثافة ملحوظة.
غير أن هذا النجاح العمراني يواجه تحدياً لا يقل أهمية: غياب التنظيم الفعّال لسلوك الاستخدام، فالمشهد في بعض المواقع، وعلى رأسها ممشى الاستقلال، يعكس حالة من التداخل غير المنظم؛ مشاة، دراجات هوائية، سكوترات، وأطفال يستخدمون أجهزة رياضية للكبار دون إدراك لمخاطرها، هذا التداخل لا يربك التجربة فحسب، بل يهدد السلامة العامة، ويؤدي إلى تآكل سريع في البنية التحتية التي أُنشئت بعناية.
المشكلة لا تكمن في نقص الوعي وحده، بل في غياب منظومة تشغيلية متكاملة، فلا توجد لوحات إرشادية كافية توضح ما هو مسموح وما هو محظور، ولا مسارات مخصصة تفصل بين أنواع الاستخدام المختلفة، كما تغيب الرقابة الميدانية التي من شأنها توجيه السلوك العام، خصوصاً في أوقات الذروة، يضاف إلى ذلك نقص في المرافق الصحية المكتملة، وهو عنصر أساسي في أي موقع يستقبل هذا العدد من الزوار يوميًا.
إن معالجة هذه التحديات لا تتطلب مشاريع جديدة بقدر ما تحتاج إلى إدارة أكثر كفاءة لما هو قائم، ويمكن تلخيص الحل في خطوات عملية واضحة: تخصيص مسارات منفصلة للدراجات والسكوترات، تركيب لوحات إرشادية متعددة اللغات تراعي تنوع المستخدمين، توفير إشراف ميداني في الفترات المزدحمة، واستكمال المرافق الخدمية وعلى رأسها دورات المياه، كما أن إطلاق حملات توعوية موجهة يعزز من ثقافة الاستخدام الحضاري، ويحول هذه المماشي إلى نموذج يُحتذى به.
المسؤولية هنا مشتركة؛ الجهات المعنية مطالبة باستكمال البعد التنظيمي، والمجتمع مدعو إلى الارتقاء بسلوكه بما يليق بهذه المساحات العامة، فالمماشي ليست مجرد مشاريع خدمية، بل انعكاساً لصورة حضارية، تقاس بمدى احترامنا لها وحسن إدارتنا لها.
الرهان اليوم لم يعد على إنشاء المزيد من المماشي، بل على حمايتها وتنظيمها، لتبقى كما أُريد لها: مساحات آمنة، صحية، وتعبّر عن وجه البحرين المتقدم.
* إعلامية وباحثة أكاديمية