حين يشُحّ المخدّر من السوق ويكون التّشافي إجبارياً على المدن وليس اختيارياً، تظهر أعراض انسحاب المخدّر عليه بالهلوسة والعصبيّة والتشنّجات.
من عاش على «حلم» أن ولاية الفقيه ستسود على العالم الإسلامي، احتاجَ كميّةً كبيرةً من المخدرات الفقهية التي تغذّي عقله لعقود، حتى يؤمن فعلياً بأن هذا الحلم بات قاب قوسين أو أدنى من التحقّق؛ مخدرات غيبية وإسقاطات تاريخية وميلودراما تحوّل الحلم إلى حقيقة ثلاثية الأبعاد.
مقتل الخامنئي جعل من ذلك المخدّر ينقطع عن السوق فجأةً دون سابق إنذار أو تأهيل أو إعداد ليوم كهذا، مما اضطرَّ المسوّقين إلى اختراع وليٍّ بديل بسرعة.
والمشكلة أنّ من اختاروه ليس فقيهاً ولا وليّاً، هو مجرّد ابنٍ لفقيه، حتى أبوه كان مشكوكاً في فقهه، لكنّ الإيرانيين أقنعوا المدمنين أن المخدّر أصليّ!
من الصعب جداً تسويق مجتبى على أنه مخدّر أصلي، لذلك نرى التخبّط والفوضى التي أصابت جمهور المدمنين على حلم ولاية الفقيه؛ فأعراض انسحاب المخدّر بدأت تظهر على العقل ومواجهة الواقع المرير يشكّل صدمة حقيقية لهم.
تكرارُهم وترديدُهم لتصريحات من تبقّى من قيادات الحرس الثوري الإيراني حول «الانتصار» المزعوم، بالرغم مما آلت إليه الأمور في إيران، وما آلت إليه أمور حزب الله والحشد الشعبي، والتصريحات التي تدعوهم إلى الاحتفال بـ«النصر»، كلُّها ما هي إلا أعراضُ مقاومة الانسحاب، ومحاولاتٌ يائسةٌ للإبقاء على جدار العالم الافتراضي الذي عاشوه لخمسة عقود مقاوماً متماسكاً.
مستعينين باجترار ما تبقّى من مخدّر البقاء في حالة الوهم واستمرار العيش في عالمهم الافتراضي أطول فترة ممكنة، فعل مقاوم للصحوة لمنع استخدام الحواس الخمس.
إنما صعبٌ جداً أن تبقى حالة استلاب العقل الجمعي في غياب المرجعية الدينية الأصلية التي بيدها وحدها المخدّر القوي الشرعي، وبعد مقتل قيادات حرسه ومحاولات يائسة من المتبقّي من قيادات التنظيم بفرض مرجعية لم تُعتمد فقهياً، يصبح الانصياع لهم أصعب لتسويق أي رواية.
صعبٌ جداً لموالي إيران أن يواجهوا صورةً مؤلمة حقاً، مذلة فعلاً، صورةً تعاكس تماماً لصورةٍ عاش عليها الأتباع طوال نصف قرن عن العظمة والقوة والنصر المؤزّر لإيران.
صورةُ «النصر الإلهي المزعوم» يصعب تسويقها في ظل واقع صارخ ما لم يكن العقل مخدَّراً تماماً بقوة أيدولوجية معترفٍ بها فقهياً، وهو مخدِّر لا يملكه سوى مرجع ديني مُعتمَد، أما المخدّر الذي يُقدَّم الآن ما هو إلا مخدّر لمرجع غير مُعتمَد فقهياً، بل ومختفٍ عن الأنظار، مما يُضعف المفعول أكثر، مما سيعجّل بالإفاقة الجبرية ومواجهة الواقع والصورة المؤلمة عاجلاً جداً.
ونحن نرى الإفاقات تتوالى في صفوف الأتباع على وسائل التواصل، وعلى قنوات التلفزيون، وحتى في صفوف القيادات الواحد تلو الآخر، وتُطرح أسئلة تُشي باستخدام العقل الواعي.
القيادات التي بقيت في إيران تعيش على رصيد بدأ للتوّ بالتآكل، تستخدم ما تبقّى من رصيد كي يُصدِّقَ التابع أنّ شيئاً لم يحدث، وأن شيئاً لم يتغيّر، وأن إيران على ما هي عليه وكما كانت منذ وصول الخميني إلى قبل 28 فبراير 2026، فإيران مازالت كما هي التي تحمل لهم «الخلاص».
جعلتهم يحتفلون بـ»الانتصار» في طهران فوق الأنقاض، ويرفعون رايات النصر في بيروت فوق الردم، وتُجبرهم كي يتغنّوا بصمودها تحت وابل القصف في العراق.
فلا ألوم الذين يقاومون الإفاقة والصحوة والمصرّين على البقاء تحت مفعول التخدير القديم، في دولنا الخليجية أو في البحرين تحديداً؛ فهل رأيتم مدمناً يستسلم بسهولة لأعراض الانسحاب؟
المدمن على وهم سردية معيّنة وعاش مؤمناً مقتنعاً أنها حقيقة، منتظراً أن يسود الكون ويحكمه، ونقل تلك السردية إرثاً لأبنائه ومن ثَمَّ لأحفاده على مدى الخمسين عاماً الماضية.
هل من المتوقّع أن يفيق الحفيد بسهولة وهو الذي تسرّب له المخدّر عبر ثلاثة أجيال؟ هل تتوقّعون أن يُكذِّب عقله المُخدَّر ويُصدّق ما تراه عينه؟ صعبٌ جداً هدم جدار واقعٍ افتراضي عاش فيه لخمسة عقود.
عاجلاً ستشكّل الأحكام الصادرة بحق من أدمن وارتكب جرائم يُعاقب عليها القانون، وعاجلاً ستواجِه بقايا وفلول الميليشيات في لبنان والعراق صدمات أكبر تقضي على ما تبقّى من سراب الحلم.
المشروع الإيراني انتهى، ونقطة من أول السطر؛ ولا يوجد أي نوع من المخدرات ممكن أن يحوّله لحقيقة.