أيمن شكل


كظاهرة بشرية، تعود جذور تعاطي المواد ذات التأثير النفسي إلى عصور ما قبل التاريخ، حيث استُخدمت في الطقوس الدينية والعلاجية، وكان أول مركب تمّ وضعه تحت الرقابة الدولية بموجب معاهدة دولية الأفيون، وذلك في مؤتمر لاهاي عام 1912، وعندما واجهت تلك المواد حظراً قانونياً في المجتمعات، سعى المتعاطون لإيجاد سُبل ووسائل للحصول عليها وتطوير تأثيرها مع تنويع أشكالها، ولم تكن مملكة البحرين بعيدة عن هذا الاستهداف الإجرامي العالمي، والذي حقق مليارات الدولارات للمهرّبين والمروّجين وتجار التجزئة عبر العالم، إلا أن يقظة أجهزة الأمن والتعامل مع المدمنين بأساليب إنسانية قبل تطبيق العقوبات، قد ساهم في خفض معدلاتها بالمجتمع، وبينما تتسارع جهود الجهات ذات الصلة بهذه الآفة، تسابقها على الجانب الآخر ابتكارات جديدة تحاول تخطي الحظر والإضرار بالمجتمعات، وقد كان آخرها ما أطلق عليه مخدّر «A4».

البداية التاريخية كانت مع مخدر الحشيش باعتباره النوع الأكثر انتشاراً في العالم جنباً إلى جنب مع الماريجوانا والأفيون، لكن الأنواع التي ظهرت في سجلات الأخبار بمملكة البحرين تضع الحشيش على قمة المواد المخدرة المضبوطة والمستهلكة من المتعاطين، ثم تأتي الماريجوانا بعده في أنواع المخدرات الورقية ومنتجاتها المباشرة.

الحشيش المخدر «الكلاسيكي»

وتنوّعت مصادر الحشيش المخدر المضبوطة في البحرين، حيث كان الحجم الأكبر منها يأتي عبر البحر، وكان آخرها في أغسطس من العام 2024، حيث تمّ ضبط كمية تقارب 350 كيلوغراماً من مادة الحشيش المخدرة، على دفعات خلال الفترة من 2021-2023 عن طريق المياه الإقليمية، باستخدام طراد للدخول إلى البحر، وجلب المخدرات، وصدر فيها حكم بالمؤبد على المتهمين، كما صدر حكم بالإعدام في 2022 على شخص آخر استطاع تهريب 50 كيلوغراماً عن طريق البحر لترويجها في البحرين.

واستوردت «ربة منزل» 194.15 غراماً من الماريجوانا في طرد قادم من أوروبا ضبط بداخله المادة المخدرة مخبأة في علب شوكولاتة وحلويات بطريقة احترافية.

وقبلها بأعوام أحبطت وزارة الداخلية في 2018 عملية تهريب كمية كبيرة من المخدرات قادمة من إيران عبر البحر بلغت القيمة السوقية للمضبوطات حوالي ربع مليون دينار، ومحاولات أخرى للتهريب في إطارات السيارات وقطع غيار، سواء عن طريق الشحن البحري أو الجوي وكذلك البري عبر منفذ جسر الملك فهد.

ما بعد التهريب.. محاولات الزراعة

ولم يتوقف المدمنون عند مرحلة الشراء والاستيراد ومحاولات التهريب، ولكن قرر بعضهم زراعة المخدرات بأنفسهم، وهو ما حدث في أكثر من واقعة خلال السنوات الماضية، حيث حوّل مدمنون بيوتهم إلى مزارع سرّية لإنتاج المخدرات وبيعها، ومن أبرزها قضية لأجنبي يبلغ من العمر 51 عاماً، حوّل منزله المكون من طابقين في العدلية إلى مزرعة سرية متكاملة، واستعان بشريكين لترويج المحصول، وحُكم عليه بالسجن المؤبد، كما عوقب بحريني بالسجن 15 سنة بعدما تم اكتشاف مزرعة ماريجوانا في منزله، ومضيف طيران متقاعد استغل وقت الفراغ في زراعة 28 أصيصاً من الماريجوانا في منزله بعد أن تعلم الزراعة عبر الإنترنت.

الكوكايين والهيروين.. «الجيل الرابط»

ويعتبر كلٌ من الكوكايين والهيروين، «الجيل الرابط» بين أنواع المخدرات حيث اشتهرت فترته بعمليات التهريب عن طريق كبسولات يبتلعها المهرّب، ويصل بها إلى البحرين، ثم يستخرجها ويقوم ببيعها باستخدام طرق كان أبرزها ما يسمى «البريد الميت».

وكانت من أطرف محاولات التهريب لمتهم تمّ ضبطه في مطار البحرين يحمل ملابس مشبّعة بمادة الهيروين، حيث اشتبه ضابط الجمارك في بعض الملابس المبتلة في حقيبته، ليتبين بعد الكشف وجود كمية كبيرة من الهيروين بين خيوطها.

«البريد الميت».. طرق تسليم حديثة

واستخدم المروّجون طريقة جديدة لبيع المواد المخدرة حتى لا يتم ضبطهم بسهولة، وهي «البريد الميت» حيث يقوم المدمن بالاتصال بالبائع والاتفاق معه، ثم يرسل له الأموال خارج البحرين، وبعد الإرسال يتلقى من البائع خريطة موقع المادة المخدرة وصورة لها لكي يسهل الوصول إليها، ويقوم بذلك وسطاء لا تكون لهم علاقة بعملية البيع الأصلية.

وقد بذلت وزارة الداخلية جهوداً كبيرة قبل سنوات للكشف عن أكبر عصابة لترويج المواد المخدرة بتلك الطريقة، واستمرت لعدة أشهر استخدم فيها عشرات من رجال الشرطة السرية للوصول إلى الشبكة، وتُوجّت هذه العملية بالنجاح والقبض على عصابة كبيرة من المروجين.

ثورة المخدرات الاصطناعية

ومع تطور الكيمياء الصناعية، انطلقت في القرن العشرين «ثورة المخدرات الاصطناعية»، بقيادة «الأمفيتامينات» ومشتقاتها، التي جرى إنتاجها لأغراض عسكرية وطبية قبل أن تتحول إلى آفة استهلاك واسع.

ووصلت هذه المخدرات والمؤثرات العقلية إلى البحرين من شرق آسيا وبعض المناطق الأخرى، وتمثلت في مادة «الشبو» والأقراص الطبية مثل «كبتاجون» و«ترامادول» و«DMT» وغيرها، لكن الشبو كان من أكثر المؤثرات العقلية استخداماً لسهولة تهريبه؛ بسبب حجمه الصغير وسعره المرتفع، والذي شجع المهربين على المغامرة بقوة في استيراده.

واستغل المهرّبون والمروّجون عدة طرق لتوصيل هذه المواد إلى البحرين، سواء عن طريق القادمين عبر مطار البحرين الدولي، أو منفذ جسر الملك فهد، وكذلك عمليات التهريب في طرود بريدية، وقد كانت الأخيرة الأكثر ضبطاً من قِبل الجهات المختصة.

ومن أطرف القضايا التي تم ضبطها كانت لآسيوية تبلغ من العمر 60 سنة، استغلت وصولها البحرين على مقعد متحرك، وحاولت تهريب 5 كيلوغرامات من الشبو.

أنواع أكثر تعقيداً وخطورة

وفي مرحلة متأخرة ظهرت أنواع من المخدرات الأكثر تعقيداً وخطورة، وهي المواد المخدرة التركيبية، والتي تتنوع بأشكال وأسماء لا حصر لها مثل «الفلاكا» و«السالفت» وغيرها، ما يشكّل تحدياً كبيراً لأجهزة مكافحة المخدرات، وكان آخر هذه المواد التي كشف عنها في البحرين هو ما يُعرف بـ«مخدر A4»، الذي يمثّل نموذجاً مرعبا لتطور طرق الإخفاء وتعقيد مواد التصنيع، حيث يتخذ هذا المخدر شكلاً لا يثير الشكوك وهو أوراق عادية بيضاء بالحجم المعتاد (A4) والتي تكون مشبعة بمواد كيميائية سامة وذات تأثيرات عنيفة، يقوم المتعاطون بتقطيعها إلى قصاصات صغيرة لاستخدامها في التدخين أو عبر أدوات بسيطة.

ويؤدي تعاطيها، وفقاً للتحذير، إلى سلوكيات عدوانية حادة داخل محيط الأسرة. ويؤكد الخبراء الأمنيون أن هذا النوع من المخدرات التركيبية يصعب كشفه في التفتيش التقليدي، ويمكن إخفاؤه داخل الكتب أو بين الأغراض الشخصية دون إثارة الريبة.

إحصائيات النيابة والداخلية

وأظهرت أحدث إحصائية للنيابة العامة لجرائم المخدرات التي وردت إلى النيابة المختصة خلال عام 2025 مجموع 1629 قضية، انقسمت إلى 1357 جنحة، و 272 جناية، أحيلت للمحاكم الجنائية، وبلغ عدد المتهمين فيها 2551 متهماً عرضوا على النيابة، وتمّ حفظ 252 قضية، كما سجّلت إدارة مكافحة المخدرات بالإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية 716 قضية مخدرات منذ بداية العام الماضي وحتى نهاية يونيو منه، وسجّل الربع الأول فقط 626 قضية مخدرات، ضُبط داخل المملكة منها 471 قضية، و62 عبر المنفذ البري، و91 قضية في المطار، بالإضافة لقضيتي تهريب عبر البحر.