في اللحظات العادية، قد يبدو الحياد خياراً مقبولاً، بل وأحياناً حكيماً في إدارة الخلافات والاختلافات. لكن حين يتعلق الأمر بالوطن، بأمنه وسلامته واستقراره، فإن الحياد يتحول من موقفٍ محتمل إلى موقفٍ مرفوض.
الوطن ليس قضية قابلة للتفاوض، ولا مساحةً رمادية يُمكن الوقوف فيها بين خيارين، خاصة حينما يستهدف بعداء صارخ.نعم، حين تتعرض الأوطان للتهديد، تتساقط كل المبررات التي تُجيز التردد. لا يعود السؤال: «هل أتدخل أم لا؟!» بل يصبح: «أين موقعي من هذا الوطن؟!».
الانتماء الحقيقي لا يظهر في أوقات الرخاء، بل يُختبر في أوقات الشدّة. وفي هذه اللحظات تحديداً، يتمايز الناس بوضوح، بين من يرى الوطن أولوية مطلقة، ومن يراه خياراً من بين خيارات.
هذه الحقيقة بسيطة وواضحة، لا حياد في حب الوطن. فالمسألة هنا ليست مجرد رأي سياسي أو اختلاف في وجهات النظر، بل هي مسألة انتماء وهوية وولاء.
حين يكون الوطن مهدداً، فإن الوقوف على الحياد لا يعني إلا الابتعاد عن مسؤوليته، بل يفسر على أنه تنازل عن دور الفرد في حماية وطنه، وهذه بحد ذاتها كارثة.
التاريخ مليء بالشواهد التي تؤكد أن المجتمعات التي نجت من الأزمات، لم تنجُ بسبب قوتها العسكرية فقط، بل بسبب صلابة جبهتها الداخلية. المواطن الواعي، المخلص، الذي يدرك أن أمن وطنه هو امتداد مباشر لأمنه الشخصي، هو خط الدفاع الأول قبل أي مؤسسة أو جهاز. وهذا الوعي لا يتشكل بالشعارات، بل بالمواقف الواضحة التي لا تحتمل التأويل.
في المقابل، فإن الدعوة إلى الحياد في مثل هذه الظروف قد تبدو للوهلة الأولى، كما يحاول أن يصورها أصحابها، قد تبدو كأنها دعوة إلى السلام أو الابتعاد عن التصعيد، لكنها في جوهرها تهدف إلى إضعاف الموقف الوطني، وتفتح المجال أمام التشكيك والانقسام. فالوطن لا يُحمى بأنصاف المواقف، ولا يُصان بترددٍ في اللحظة التي تتطلب حسماً.
وفوق ذلك، هنا تتفجر عشرات الأسئلة بشأن مبررات هذه الدعوات، ولماذا يركز الخطاب عليها، بينما بعض مطلقيها حينما تبحث في مواقف وقت اشتداد الأزمة، ووقت استهدافنا بالصواريخ من العدو، تنصدم بأن أمامك صمتاً غريباً، بل اختباء واختفاء، في مقابل لو وجدت أصوات، فإنك تجد نبرتها تتحدث بخجل وهدوء.
وهنا الصدمة، أفي وطني يكون خطابي هادئاً خجولاً وبصوت لا يكاد يسمع؟! والمصيبة أكبر حينما ترى أن بعض أصحاب هذه الأصوات نفسها فيما سبق من مواقف، كانت نبراتهم تعلو، وصرخاتهم تصدح حينما ينتقدون الوطن وحراكه! كانوا لا يهدؤون وكأنهم في معركة حقيقية، ومع خصم يريدون التغلب عليه!! أليست مفارقة مزعجة؟!
هنا لا تلوم المخلصين لأوطانهم حينما يصنفونك في خانة مليئة بالتساؤلات والتشكيك. لأن الوطني الذي ولاؤه لتراب وطنه لا يتردد، ولا يتوارى ولا يختبئ، ولا تكون لديه «حسبات وحسابات»، على حساب وطنه!
الوطن كيان جامع، يحمل ذاكرة الناس، وأمنهم، ومستقبلهم. لذلك، فإن الدفاع عنه ليس خياراً، بل مسؤولية. والانحياز له ليس موقفاً عاطفياً فحسب، بل التزام أخلاقي وواجب وطني.
ضعوا تحتها مليون خط أحمر، إذ لا مكان للحياد حين يكون الوطن في الميزان. إما أن تكون مع وطنك، بكل وضوح وثبات، أو أن تترك فراغاً لا يحتمله هذا الظرف، وتقدّم نفسك في قالب ملؤه الشك والريبة، وهنا أكرر لا تلوم الناس إطلاقاً، لأنهم يرون ويحكمون ويتذكرون ولا ينسون.
الوطن، ببساطة، لا يقبل القسمة على اثنين، ومن لديه حساباته الخاصة، سيصعب بالتالي على المجتمع وكل من يراه، بأن يعتبره وطنياً خالصاً بلا شوائب.