بادئ ذي بدء، نحمد الله على نعمة البصر والبصيرة، وعلى نعمة السمع حين يبلغ الصوت من صاحبه، وعلى نعمة العقل حين ينجو من أسر الوهم. ونحمده أكثر أن هذه المنطقة لم تُترك يوماً لبيانات تخرج من خلف الستائر، ولا لرسائل حالمة يُراد لها أن تُعامل كأنها حقائق جيوسياسية.

خرج بيان منسوب إلى مجتبى خامنئي، لا صورة تؤكده، ولا صوت يثبته، ولا ظهور يبدد الأسئلة، وكأن صاحبه الحالم يريد أن يحكم البحر بالحبر، وأن يرسم خرائط الخليج العربي برسالة لا نعلم إن كان قد كتبها، أو أُمليت عليه، أو قُرئت عليه.ومن طريف المشهد أن من يتحدث عن وعي الشعوب، نظام قمعي يقطع الإنترنت عن شعبه منذ 63 يوماً ليحجبه عن الحقيقة. من يخشى شاشة هاتف، كيف يتحدث عن إدارة مضيق؟ ومن يرتبك من نافذة رقمية، كيف يطمح إلى فرض قواعد على ممر مائي دولي؟

والأشد سخرية أن إيران تتحدث عن مضيق هرمز وكأنه ورقة بيدها، فيما هي اليوم محاصرة فيه، لا تملك حرية الحركة كما تزعم، ولا قرار المرور كما تدّعي، فيما تحولت موانئها من بوابات تجارة إلى مراكن سفن تغزوها الطحالب. ومن فقد الشيء، كان حديثه عنه أقرب إلى الأحلام منه إلى السياسة.

ثم يتحدث البيان عن «الجيران»، وكأن الذاكرة الإقليمية قد مُسحت فجأة. أي جيران يقصد؟ جيران الميليشيات؟ جيران الصواريخ؟ جيران الخلايا التخريبية؟ من اعتدى على جيرانه لعقود، لا يملك رفاهية الحديث باسم حسن الجوار.

ولنسأل بهدوء: متى كانت الثقة قائمة أصلاً حتى تطلبوا منا تجديدها؟ ثقتنا بكم سقطت منذ زمن بعيد، يوم صار الخراب أولى صادراتكم، والطائفية أداتكم، والفوضى لغتكم. لا تزال دماء السوريين، وآلام العراقيين، ودموع اليمنيين، وأوجاع اللبنانيين، وجراح الفلسطينيين، شاهدة على سجل لا تمحوه بياناتكم، ولا تبرره خطبكم.

أما الحرس الثوري، فقد بدا أشبه بشركة قابضة أفلست أذرعها ومشاريعها، فلم يبق لها إلا القبض على ما تبقى من صواريخ خُصصت لمهاجمة الجيران، قبل أن تتلقى ما يليق بها من ردعٍ حاسم، بعدما تصدت قواتنا الباسلة للاعتداءات الإيرانية بكفاءة

ويقظة، وأفشلت أهدافها المبيتة.الخليج العربي اليوم لا يلتفت إلى بيانات المخابئ، لأنه يعرف نفسه جيداً: شرعيته من شعوبه، وقوته من تماسكه، وهيبته من إنجازه، وقدرته من جاهزيته.

ومن يختبئ لا يرسم خرائط المنطقة. ومن يعجز عن مخاطبة شعبه وجهاً لوجه، لن يفتح لنفسه باباً إلى المستقبل. جهزوا ما عليكم من تعويضات، فالأوهام لا تسدد حقوق الجيران.

فيصل العلي