كشفت دراسة ميدانية حديثة حول أثر الحروب على العلاقات الاجتماعية للأسرة في مملكة البحرين، أقامتها لجنة البحوث والدراسات الاجتماعية بجمعية العائلة البحرينية، وشملت عينة مكونة من (1200) فرد من الذكور والإناث، عن نتائج لافتة تؤكد أن الحروب تترك تأثيرات نفسية واقتصادية واجتماعية واسعة، لكنها في الوقت ذاته تسهم في تعزيز التماسك الأسري والتكافل المجتمعي.
وأظهرت نتائج الدراسة أن نسبة كبيرة من الأسر البحرينية تأثرت بالحروب بشكل مباشر أو غير مباشر بلغت (87.91%)، فيما برز التأثير النفسي كأحد أهم النتائج، حيث أكد أكثر من (90%) من المشاركين أن الحروب تؤدي إلى زيادة القلق والتوتر والخوف من المستقبل، مع تأثر واضح بالإفراط في متابعة الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي.
وعلى صعيد العلاقات الأسرية، بينت الدراسة أن الحروب لا تؤدي إلى تفكك الأسرة، إذ رفض أكثر من (95%) من المشاركين فكرة زيادة الخلافات أو ضعف الروابط الأسرية، في حين أشار ما يقارب (99%) إلى أن الأزمات تسهم في تعزيز الترابط الأسري، مع حدوث بعض التغيرات في الأدوار داخل الأسرة.
أما اقتصادياً، فقد أجمع المشاركون بنسبة تجاوزت (90%) على أن الحروب تؤدي إلى ارتفاع تكاليف المعيشة وزيادة الضغوط المالية وتأثر فرص العمل والدخل، مع وجود اختلاف بين الذكور والإناث في تقدير تأثير هذه الضغوط على النزاعات المالية داخل الأسرة.
وفي الجانب الاجتماعي، أظهرت النتائج تراجعًا في الزيارات والتفاعل الاجتماعي المباشر، مقابل ارتفاع واضح في قيم التكافل والتعاون بين الأسر، حيث تجاوزت نسب الموافقة على تعزيز التكافل (96%)، مما يعكس قوة البنية الاجتماعية في المجتمع البحريني.
كما أكدت الدراسة أن وسائل الإعلام والتكنولوجيا تلعب دورًا مزدوجًا، إذ تسهم في رفع مستوى الوعي بمخاطر الحروب بنسبة تقارب (98%)، لكنها في المقابل تزيد من مستويات القلق والتوتر لدى أكثر من (95%) من المشاركين.
وأكد د. فيصل الغرير أن نتائج الدراسة تعكس متانة الأسرة البحرينية وقدرتها على التكيف مع التحديات، مشددًا على أهمية تعزيز البرامج النفسية والاجتماعية الداعمة للأسر في أوقات الأزمات.
من جانبه،أوضح د. عبد الناصر الدرزي أن النتائج تعزز أهمية دور الإرشاد الأسري في احتواء الآثار النفسية والاجتماعية للحروب، مشيرًا إلى ضرورة تفعيل برامج التوعية الأسرية وتقديم الاستشارات المتخصصة لدعم استقرار الأسرة البحرينية خلال الأزمات.
كما أكد الغرير أن هذه النتائج تمثل أساساً مهماً لتطوير مبادرات مجتمعية واقعية تستجيب لاحتياجات الأسر، خاصة في الجوانب النفسية والاقتصادية.
وفي ضوء هذه النتائج، أوصت الدراسة بعدد من الإجراءات العملية القابلة للتطبيق في المجتمع البحريني، أبرزها:
تعزيز برامج الدعم النفسي الأسري عبر المؤسسات المجتمعية ودور العبادة، وإطلاق حملات إعلامية توعوية لترشيد متابعة الأخبار والحد من القلق، ودعم الأسر اقتصاديًا من خلال برامج إرشادية لإدارة الموارد المالية، وتشجيع المبادرات المجتمعية والتطوعية لتعزيز التكافل الاجتماعي، وتوجيه الأسر نحو الاستخدام الإيجابي للتكنولوجيا وتعزيز الأنشطة الأسرية المشتركة.
وأكدت الدراسة في ختامها أن الأسرة البحرينية تتمتع بقدرة عالية على التكيف مع الأزمات، وأن تعزيز الوعي والدعم المؤسسي يمكن أن يسهم في الحد من الآثار السلبية للحروب وتعزيز الجوانب الإيجابية في التماسك الاجتماعي.