في فترة زمنية وفي إقليم مضطرب تتلاطم فيه الأمواج ويمر بظروف غير طبيعية ومعقدة لم يسبق لها مثيل، اجتمع قادة وملوك ورؤساء دول مجلس التعاون الخليجي في قمة جدة التشاورية وبحضور سيدي حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين المعظم حفظه الله ورعاه، كرسالة واضحة إلى العالم مفادها التركيز على زمام المبادرات الدبلوماسية والسياسية.
كما تأتي هذه القمة للعمل على ترتيب الصفوف حسب أولويات هذه المرحلة الحرجة. وكذلك لدراسة المؤشرات للمرحلة القادمة، لكي تكون محطة مفصلية في تاريخ السياسة الخليجية. وتقرأ هذه الرسالة أن مبدأ الشورى والتشاور فيما بينهم أصبح من الضروري لصناعة القرار المشترك، لتعبر عن التحول من إدارة الأزمات إلى إدارة العمليات الاستباقية في المواقف والوصول إلى نقاط الالتقاء، وخصوصاً في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وتزايد التحديات المرتبطة بأمن الخليج العربي والممرات البحرية، واستقرار أسواق الطاقة، حيث بات من الواضح أن العمل الفردي لم يعد مجدياً في مثل هذه الظروف الراهنة، وأن التنسيق الجماعي أصبح ضرورة ملحّة، تحمل في طياتها أن دول الخليج العربي تدرك حجم التحولات في موازين القوى الدولية، وتسعى إلى العمل بأكثر فاعلية من خلال المشهد المتغير والمتسارع جداً.
وهناك عدد من الموضوعات والقضايا المطروحة للنقاش على طاولة الاجتماعات والمتعلقة بالمستجدات الإقليمية والدولية وتنسيق الجهود المشتركة تجاهها، والعمل على أهمية تعزيز الوحدة الخليجية والتكامل الدفاعي والأمني لمواجهة التحديات الحالية والمستقبلية في ظروف إقليمية غير طبيعية، الذي يتطلب تطويراً في الاستراتيجية الخليجية لتكون موحدة للتعامل مع الموقف ومتطلباته.
إن مبدأ التشاور هو أداة فعالة ورسالة مهمة توضح أن المنطقة لن تكون ساحة لتصفية الحسابات، بل تسعى لأن تكون طرفاً مؤثراً في صياغة المعادلات.
أما عن الوضع الاقتصادي، تفرض المرحلة الراهنة تحديات لا تقل خطورة عن التحديات السياسية. فالتقلبات في الأسواق العالمية، والضغوط على سلاسل الإمداد، تضع دول الخليج العربي أمام اختبار حقيقي لتبيان قدرتها على التنسيق والعمل الجاد الناجح، ليس فقط لحماية مصالحها، بل لتعزيز موقعها في الاقتصاد العالمي.
ومن هنا، تبدو القمة فرصة لإعادة التفكير في مفهوم التكامل الخليجي أي بوصفه خياراً استراتيجياً يجب العمل به وبسرعة.
إن الرهان الحقيقي على هذه القمة هو تبنّي المسارات المستدامة للتشاور والتنسيق في جميع القضايا ذات الاهتمام والعمق المشترك، فالعالم يمضي بسرعة، والتحولات مستمرة.
وإننا نتطلع إلى نجاح هذه القمة في ترسيخ نهج الحوار كأداة لصناعة القرار، حيث إنها تكون قد وضعت حجر الأساس لمرحلة خليجية جديدة أكثر تماسكاً وقدرة على التأثير.
وفي النهاية يمكننا القول إن قمة جدة التشاورية في هذه الظروف الراهنة، تمثّل مساراً جديداً للإرادة الخليجية نحو عمل مشترك أكثر فاعلية وبنوعية جديدة من التميز، ويبقى الأمل معقوداً على أن ينتصر الحوار الدبلوماسي السياسي لعمل خليجي يتناسب ويتزامن مع ما تمر به المنطقة ويكون الأكثر تأثيراً.
حفظ الله مملكتنا الغالية وقيادتها وشعبها الوفي، وحفظ خليجنا العربي، وحكامه، وقياداته، وشعوبه، من كل شر ومكروه.