أكتب هذا العمود مساء الجمعة، في ساعة تبدو فيها المنطقة واقفة بين خبر مؤجل وتصريح قابل للتأويل، مستنداً إلى المعطيات المتاحة حتى لحظة الكتابة، وإلى ما صدر من تصريحات أمريكية وإيرانية، وما التقطته المؤشرات غير الرسمية من إشارات حول حركة القرار في واشنطن، ولذلك إن وصلت هذه الكلمات إلى القارئ يوم الأحد وقد سبقتها ضربة عسكرية، أو تبدلت الوقائع خلال يوم السبت، أو خرج بيان كبير يغير اتجاه المشهد، فليتوقف هنا عن قراءة العمود، لأن النص عندها سيكون شهادة على لحظة كانت مفتوحة على كل الاحتمالات، وليست قراءة نهائية لما استقر عليه الحدث، أما إذا بقيت المنطقة على حالها، بين تهدئة معلقة وتفاوض متردد وقلق يتحرك في المضيق والأسواق، فهذه هي بالضبط المساحة التي يستحق أن نقرأها، وهي مرحلة اللاحرب واللاسلم واللايقين، المرحلة التي تبدو هادئة في ظاهرها، لكنها تضغط على الأعصاب والاقتصاد والسياسة أكثر مما تفعل لحظة الانفجار نفسها.
تدخل المنطقة اليوم واحدة من أثقل مراحل الحروب، مرحلة اللاحرب واللاسلم واللايقين، حيث تهدأ أصوات القصف قليلاً، وتخفت أصوات الانفجارات، وتبقى القرارات معلقة بين غرفة عمليات وغرفة تفاوض، وبين تصريح رئاسي، ورسالة إيرانية، وحركة سفن في المضيق، ومؤشر غريب يتابعه الناس من مطاعم البيتزا قرب البنتاغون، لأن العالم صار يقرأ التوتر من كل شيء، من حركة الأساطيل، ومن أسعار النفط، ومن لهجة العواصم، ومن علب البيتزا التي تصل إلى مكاتب تعمل على مدار الساعة.
في الحرب الواضحة يعرف الناس حجم الخطر، وتتحرك الدول وفق إيقاع مباشر، أما هذه المرحلة الرمادية فتضع الجميع داخل انتظار مفتوح، فلا سماء الحرب مغلقة بالكامل، ولا أبواب السلام مفتوحة على اتساعها، وهنا تكمن القسوة، لأن الإنسان يستطيع أن يواجه الخطر حين يتحدد شكله، ويتعب أكثر حين يتحول الخطر إلى احتمال يومي، واحتمال مؤجل، واحتمال قابل للانفجار في أي ساعة.
تصريحات ترامب الأخيرة فتحت باباً أوسع للقراءة، فالرئيس الأمريكي استخدم منصته في بث رسائل متتابعة تجاه إيران، وجمع بين الحديث عن الاتفاق النووي ولغة الضغط القصوى، ثم نشر صورة له وهو يحمل سلاحاً مرفقة بعبارة «No More Mr. Nice Guy»، بما جعل الرسالة تتجاوز حدود التصريح السياسي المعتاد إلى استعراض مقصود لفكرة الحسم والقوة.
في المقابل، تتعامل طهران مع المشهد عبر الوسطاء، وتطرح أفكاراً مرتبطة بالعقوبات والمضيق والملف النووي، من دون أن تقدم حتى الآن ما يكفي لنقل الأزمة إلى مسار مستقر، وهنا تتضح طبيعة المرحلة الراهنة، فواشنطن تريد تفاوضاً تحت الضغط، وطهران تريد وقتاً أوسع للمناورة، والخليج العربي يقف في المنتصف وهو يقرأ آثار كل كلمة على البحر والسوق وحركة الناس، هذه اللحظات ليست لحظة حرب مفتوحة، وليست لحظة سلام مكتمل، إنها مساحة سياسية ثقيلة يتقدم فيها التهديد خطوة، ثم تلحق به الدبلوماسية بخطوة أبطأ.
ومن هنا يصبح مؤشر البيتزا، رغم طرافته الظاهرة، جزءاً من نفسية المرحلة، فالناس تراقب كل إشارة لأنها تبحث عن معنى وسط الضباب، وحين ترتفع قراءات المؤشر أو تتداولها حسابات الرصد المفتوح، يبدأ السؤال الشعبي قبل السؤال السياسي، ماذا يجري خلف الأبواب؟ هل تستعد واشنطن لضربة؟ هل تعيد ترتيب خياراتها؟ هل يقترب الاتفاق أم تتجه المنطقة إلى جولة أشد؟
إن مرحلة اللاحرب واللاسلم تضغط على الخليج العربي أكثر من غيره، لأن الخليج العربي يعيش من الاستقرار، ومن حركة الطيران، ومن الموانئ، ومن انسياب الطاقة، ومن ثقة الناس بأن الحياة اليومية تمضي وفق انتظامها الطبيعي، وأي غموض في مضيق هرمز ينعكس على الأسعار والأسواق وسلاسل الإمداد وحسابات المستثمرين، وأي عبارة حادة من واشنطن أو طهران تدخل فوراً إلى غرف التخطيط في شركات الشحن والطيران والتأمين.
فالأصعب في هذه المرحلة أن القرار السياسي يصبح موزعاً بين احتمالات متعارضة، فالدول مطالبة بالاستعداد من دون تهويل، وبالطمأنة من دون تبسيط، وبحماية الداخل من دون تحويل المجتمع إلى رهينة للخوف، وهذا يحتاج إلى إدارة دقيقة للخطاب العام، وإلى تنسيق خليجي صلب، وإلى قراءة لكل إشارة، لأن الاستقرار في زمن اللاحسم يتحول إلى جبهة قائمة بذاتها. اللاحرب واللاسلم واللايقين اختبار قاسٍ للدول والمجتمعات، ففيه تتحول المعلومة إلى عنصر أمن، والشائعة إلى عبء سياسي، والانتظار إلى ضغط يومي على الناس والأسواق، ولهذا تبدو هذه المرحلة أشد وطأة من الحرب المباشرة، لأنها تضع الخليج العربي بين سلام مؤجل وتصعيد محتمل، وتجعله مطالباً بحماية انتظام الحياة وثقة الناس وصلابة الدولة.
في الأسابيع المقبلة يبدو السيناريو الأقرب استمرار التهدئة المعلقة مع مفاوضات متقطعة وضغط اقتصادي متبادل، وهذا يمنح الأسواق مساحة تنفس محدودة، مع بقاء كلفة الشحن والتأمين والطيران تحت المراقبة، ويأتي بعده احتمال ضربات محدودة ومحسوبة، قادرة على رفع منسوب الحذر في المضيق والمنشآت الحيوية من دون دفع المنطقة إلى مواجهة شاملة.
أما التسوية الواسعة فتحتاج إلى تنازلات صعبة وإعلانات سياسية مكلفة، لذلك ستتحرك ببطء عبر الوسطاء، ويبقى الانزلاق الكبير احتمالًا أقل ترجيحًا، غير أن كلفته العالية تفرض الاستعداد له بجدية.
ومن هنا تبدو هذه المرحلة أصعب من الحرب المباشرة، لأنها تجعل الخليج العربي أمام إدارة يومية للخطر، وتضع قوة الدولة في اختبار هادئ، فكيف تحمي الاستقرار من الخوف، والاقتصاد من الارتباك، والمجتمع من الشائعة، وتحول الغموض إلى سياسة واضحة تحفظ حياة الناس ومصالحهم.