في زمنٍ تتساقط فيه الأقنعة سريعاً، لم يعد الحياد موقفاً ممكناً، ولا الصمت خياراً مقبولاً. فحين يُستهدف الوطن في أمنه واستقراره، تنقسم المواقف بوضوح لا يحتمل التأويل: إما ولاءٌ صادق يثبت في الشدائد، أو خيانةٌ تنكشف مهما حاولت التواري خلف الشعارات. ومن هذا المنطلق، جاء حديث حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، ليضع النقاط على الحروف، كاشفاً زيف من باعوا ضمائرهم وارتهنوا للعدو، ومؤكداً أن زمن المجاملة قد انتهى، وأن حماية الوطن تقتضي الحزم بقدر ما تقتضي الرحمة.
لقد جاءت كلمة جلالة الملك المعظم رعاه الله بمثابة وثيقة وطنية ترسم بوضوح الحدود الفاصلة بين الولاء والخيانة، بحروف لا تقبل التأويل. فالمحن والأزمات كانت دوماً بوتقة تميز المعدن الأصيل من الزائف. ورغم ما تعرضت له مملكتنا الغالية من اعتداءات آثمة، فإن المشهد يعيد نفسه كما قبل خمسة عشر عاماً؛ إذ يتبين أن جذور الآفة لم تُستأصل بالكامل، بل امتدت آثارها إلى أجيال لاحقة.
يبقى في جسد الوطن أحياناً أثر خفي، لا ترصده أدق الوسائل، لكنه مع الزمن ينمو ويتغلغل حتى يبلغ مرحلة الخطر. وما لم تتم مواجهته بحزم، فإنه يعاود الانتشار بخبث، بعد أن ظننا أن الوطن قد تعافى منه. ومن هنا جاء تأكيد جلالة الملك المعظم على ضرورة تطهير الصفوف من كل خائن ومتواطئ، وهو تطهير لا يُراد به إلا حماية الجسد السليم، وصون أمنه واستقراره.
لقد كان التعبير عن الغضب في حديث جلالته لافتاً، وهي مفردة لم نعهدها في الخطابات السامية التي طالما اتسمت بالحكمة والتسامح. غير أن المرحلة تفرض لغتها، وحين تُمس الثوابت، يبرز الحزم ليؤكد أن الأوطان لا تُصان إلا بالقوة إلى جانب الرحمة، وأن التسامح لا يعني التهاون مع من يهدد أمن البلاد.
ومن المؤلم أن يقف بعض من نهلوا من خيرات هذا الوطن إلى جانب من لا يريد له خيراً، ممن لم يمنحوهم يوماً قدر ما أخذوه. فكيف يُقدم هؤلاء على مواقف تستدعي غضب القيادة وأسفها، وهم لا يمثلون إلا أنفسهم، ولا يحظون بتعاطف من أحد؟
ورغم ذلك، ظل جلالة الملك الأب الحاني، الحريص على أبنائه، فاتحاً أمامهم باب الاختيار بين طريقين لا ثالث لهما: إما الاعتذار الصريح لشعب البحرين الوفي، بما يعيد جسور الثقة، وإما الاصطفاف الواضح مع الخيانة وتحمل تبعاتها.
مليكنا الحبيب، لن تهدأ النفوس ولن تستقر الأوضاع إلا بعودة ذلك الخطاب السامي الذي عهدناه، خطاب يفيض حكمة وطمأنينة، وتزينه ابتسامة جلالتكم. ولن يتحقق ذلك إلا باستجابة صادقة وسريعة من أبناء الوطن لما وجهتم به، فالولاء للوطن وقيادته لا يقبل التردد، بل هو التزام راسخ نشأنا عليه، وسنظل أوفياء له ما حيينا.
* قبطان - رئيس تحرير جريدة «ديلي تربيون» الإنجليزية