لا يتشكل قطاع الطعام في البحرين بأيدي الأسماء الأكبر أو الميزانيات الأضخم، بل يصنعه روّاد أعمال التقطوا الفرص في وقتها، ووجدوا المنصات التي تمكّنهم من تحويلها إلى واقع ملموس.

لقد أعادت منصات التوصيل الرقمية رسم ملامح قطاع الطعام بهدوء، فاختصرت المسافة بين المنتج المميز والعميل الباحث عنه، وخفّفت كثيراً من التكاليف والأعباء التشغيلية التي كانت تعيق تحوّل الأفكار الصغيرة إلى مشاريع قابلة للنمو والتوسع.

أما اليوم، فلم يعد المشهد كما كان قبل خمس سنوات. لم يعد السؤال ما إذا كانت الفرص متاحة، بل ما إذا كانت المنظومات الداعمة قادرة على بناء علاقات مستدامة، تواكب هذا النمو، وتدفعه إلى آفاق أوسع.

يأتي هذا التحول في سياق اقتصادي أوسع. فعندما سجل اقتصاد البحرين نمواً بنسبة 3.5% في عام 2025، لم يكن ذلك نتيجة أداء الشركات الكبرى وحدها. ولا تزال الشركات الصغيرة والمتوسطة تشكّل العمود الفقري للقطاع الخاص في مملكة البحرين، كونها تمثّل الغالبية من المنشآت المسجّلة، وتستقطب نسبة كبيرة من القوى العاملة، وتشكّل ركيزة أساسية في الناتج المحلي الإجمالي.

ومع ذلك، ظلّ النمو بالنسبة للكثير منها، خاصة في قطاع الطعام، مرتبطاً بتحديات. فالتوسع عبر الفروع كان يتطلب استثمارات عالية والوصول إلى عملاء جدد خارج الموقع كان مهماً، بينما كانت عمليات التوصيل تقع بالكامل على عاتق صاحب المشروع.

وما فعلته منصات التوصيل الرقمية مع الوقت هو تغيير هذه المعادلة بشكل جذري، من خلال إتاحة الوصول إلى بنية تشغيلية وقاعدة عملاء وانتشار أوسع، كان يتطلب تحقيقها سنوات واستثمارات أكبر بكثير.

كما أعادت منصات التوصيل تعريف مفهوم النمو لدى الشركات الصغيرة والمتوسطة. فبعدما كان توسيع قاعدة العملاء يتطلب افتتاح فرع جديد أو إنفاقاً كبيراً على التسويق، أصبح بإمكان التاجر اليوم الوصول إلى جمهور جديد بالكامل عبر المنصات، دون تحمّل هذه التكاليف.

فالبنية اللوجستية متوفرة وعمليات الدفع مُدارة وقاعدة العملاء جاهزة، وتطلب بشكل مستمر، ما يتيح التركيز على المنتج نفسه. وقد بلغت إيرادات تطبيقات توصيل الطعام في البحرين نحو 361 مليون دولار أمريكي في عام 2024، مع توقعات بتجاوز 500 مليون دولار بحلول عام 2029، ويعكس ذلك طلباً متنامياً، فيما تتيح المنصات للمشروعات الصغيرة الوصول إلى هذا الطلب، وغالباً على قدم المساواة مع شركات أكبر.

وترى "كيتا" هذا التحول يومياً مع انضمام تجار إلى المنصة كمشروعات صغيرة، وتوسعهم بسرعة لأن التقنيات الرقمية تولّت عنهم تعقيدات لم يكونوا مستعدين لإدارتها بأنفسهم، بدءاً من التوصيل إلى الدفع إلى الوصول إلى العملاء، وبذلك تصبح المنصة امتداداً طبيعياً لأعمالهم، وتتحمّل العبء التشغيلي الذي قد يبطئ نمو المشروع أو يعيقه.

وبالرغم من ذلك، فإن هذا النمو لا يحدث تلقائياً؛ لأن الوصول إلى المنصات لا يكفي، بل يتطلب شراكات ونماذج عمل تدعم استدامة هذه المشاريع.

فالمطاعم الصغيرة والمستقلة تعمل بطريقة مختلفة عن السلاسل الكبيرة ولديها موارد محدودة، بينما تحتاج إلى شراكات موثوقة وأكثر إنصافاً.

ولا شك أن المنصات التي تدرك هذا الواقع، وتبني أدواتها وهياكل رسومها ودعمها للتجار على أساسه، هي التي ستحدد ملامح هذا القطاع في المستقبل، ومدى استفادة الجميع من فرصه.

وقد وضعت رؤية البحرين 2030 مساراً واضحاً نحو اقتصاد يقوده القطاع الخاص، وتشكّل فيه الشركات الصغيرة والمتوسطة أساساً رئيسياً. ولم تعد منصات التوصيل شيئاً ثانوياً في تحقيق هذا الهدف، بل أصبحت جزءاً من البنية التي يقوم عليها.

ومن خلال خفض العوائق وتوسيع الوصول وربط الطموح بالسوق على نطاق أوسع، تسهم هذه المنصات في تحويل الرؤية إلى نمو ملموس.

ومع أن دور المنصات قد ترسّخ بشكل كبير في مسيرة الشركات الصغيرة والمتوسطة في البحرين بالفعل، يبقى السؤال الأهم: هل ستتجاوز هذا الدور لتبني شراكات لا تكتفي بدعم النمو، بل تسهم في توجيهه بشكل أكثر شمولاً واستدامة، وبما يضمن قيمة حقيقية للأعمال التي تخدمها؟

بقلم : إيدن تشاو، المدير العام لشركة كيتا البحرين