ما حصل بالأمس من تصويت النواب على إسقاط عضوية «الثلاثة»، كان أمراً حتمياً؛ فالمرحلة التي مررنا بها، وما يعقبها من تداعيات، لا يجب أن يكون فيها تهاون مع أي تجاوز وتعدٍّ على «أمن البحرين».

وقبل أن أسترسل في هذه النقطة، فقط سأتوقف عند مفارقة حصلت، إذ إن عدم حضور النواب الثلاثة للجلسة العلنية، وعدم إدلائهم بالاعتذار الذي أعلنوا عنه لجلالة الملك ولشعب البحرين، كان علامة استفهام كبيرة! وهنا نحن نعود لبيانهم الصادر قبل أسبوع والوعد بأن يكون هناك اعتذار علني، لكن هذا لم يحصل.

عموماً، اليوم أمامنا دروس عديدة كانت نتاج الفترة العصيبة التي مررنا بها، فترة استهدافنا بصواريخ ومسيّرات من العدو الإيراني، فترة رأينا فيها كيف تحرّك الوطن بأكمله، عبر قيادته، وأجهزته، وبالتأكيد شعبه.

كان ما «يجبر الخاطر»، ونحن نرى الاستهداف والعدوان الإيراني الآثم اليومي، كان ما يجبر الخاطر هي تلك الوقفة الشعبية المخلصة للشعب مع قيادته ووطنه، كان الاستنفار الوطني القوي في قلب كل مخلص، من كبار وصغار، كلٌّ يعبّر عن موقفه بطريقته، وكلٌّ يدافع عن بلده بما يقدر عليه.

حينما تتحدث عن الوطنية، فإن هذه هي الوطنية الحقيقية تتجسّد أمامك، تلك التي لا تنتظر دعوة، ولا تتحرك بدافع هدف شخصي، ولا لأجل مكسب ضيّق، بل الوطنية هي التي تحرّكك تلقائياً دفاعاً عن وطنك، لأنه ببساطة وطنك.

هذه الكلمة، وأعني «الوطن»، قد لا يقف عندها كثيرون يتأملون فيما تعنيه، وهنا لا أقصد الكلمة بقدر ما أقصد التفكيك لما ترمز إليه.

هناك كلمات وشعارات اشتهرت وبتنا نقرؤها ونسمعها كل يوم، مفادها بأن الوطن كذا وكذا وكذا. لكن الواقع الصحيح الذي يجب التشديد عليه، هو أن «الوطن» جزءٌ منك، تتعامل معه وكأنه قطعة ملتصقة بك، أو بالأحرى أنت من تلتصق بها، قربك هذا هو ما يشكّل قيمتك ويصنع كيانك ويعطيك هويتك.

لا يصح إطلاقاً أن أتخلى عن وطني، أو أن يقلّ انتمائي له، أو أن أقبل باستهدافه وأنا أتفرج وأقف ساكتاً ساكناً. وهنا البعض يخطئ في فهم مفهوم «الدفاع عن الوطن»، تجد صوته يخبو ويضعف، لأن في «خاطره شيء»، ولست أعني من يحمل حقداً وغلاً تجاه بلده، أو من يتخابر ضدها أو يقبل بأذاها، بل أعني من يعاني من مشاكل وهموم ويتطلّع لحلها وأن يتغيّر واقعه إلى واقع أفضل، هنا وجب التنبيه دوماً بشأن الوطنية والوطن.

نعم، قد نكون مهمومين أو فينا ضيق ما، أو نرنو لطموح معيّن، لكن الحراك والعمل لا يصبّ في اتجاه تحقيقه كما نتمنّى، والدنيا تصعب والالتزامات تزيد، وغيرها من أمور تُثقل نفس وكاهل الشخص.

لكن الخطأ أن تكون هذه الأمور هي التي تحدّد كيف يكون اتجاهك مع وطنك، خاصة حينما يُهدَّد الوطن في أمنه، ويُستهدَف في وجوده.

في الفترة التي مررنا بها، أعجبتني مواقف عديدة لا تُحصى لنماذج من البحرينيين المخلصين، وأعرف منهم أناساً في قلوبهم هموم وفي عقولهم آمال، لكن حينما «حجت حجايجها» كما نقول بلغتنا، رأيت الغيرة والانتماء والرفض القاطع لأن تُمسّ ذرة تراب من وطنهم، أو يطال قيادتَهم أيُّ أذى.

وهنا الرسالة لمن يحاول دوماً أن يدقّ هذا «الإسفين» في قلوب المخلصين، رأيت ما حصل في البحرين؟! سمعت ما آلمك من وطنية صادقة صادحة؟! رأيت كيف التفَّ المخلصون حول قائدهم وحكومتهم ووطنهم؟!

بالتالي لا تظننَّ بأن «الوطنية» في قلوب «المخلصين» مسألة يمكن بسهولة أن تُنتزع!