ثمة ترسّبات في نفوسنا، ومعتقدات أشبه ما تكون بعوائق نفسية وفكرية، تعترض أسلوب حياتنا، بل وتعترض تحقيق مغزى وجودنا في هذه الحياة. وكلما مرّت الأيام بسرعتها المخيفة، ودقائقها المتسارعة، أيقنتُ أننا بحاجة ماسّة إلى مراجعة أسلوب إدارتنا للحظاتنا وأيام حياتنا؛ فالأمس كاليوم، واليوم يكاد يشبه الغد. ومع طوفان التغيّرات الحياتية، أضحى الاهتمام بـ»إدارة الحياة» أمرًا بالغ الأهمية، وضرورة مُلحّة في حياة لا نعرف متى تنطفئ ومضاتها.
فالأيام تمضي بالسرعة ذاتها، لكن الفرق الحقيقي يكمن في كيفية استثمارها وحسن إدارتها. كما أن الحياة لا تُقاس بعدد السنوات التي نعيشها، بل بحجم الأثر الذي نتركه، وبالأسلوب الذي ندير به أيامنا. فالبعض يمضي عمره بلا أثر، بينما يصنع آخرون من أيام حياتهم عطاءً ممتداً، له سجلّه الخالد في صحائف الأعمال أولاً، ثم في ذاكرة الزمان، وفي أعماق نفوس البشر الذين سيظلون يتداولون أثرك جيلاً بعد جيل.
وكثيرون يرددون أن الحياة أصبحت صعبة، بينما هم الذين رسموا صورتها القاسية في أذهانهم، وهم الذين يعيشون دون إدارة حقيقية لجوانبها المختلفة؛ فتراهم يركضون خلف سراب خادع وأوهام زائلة، دون أن يشعروا بأن الأيام تستهلك مشاعرهم وأعمارهم بهدوء، فلا يجدون ثمرة يانعة تُجنى في نهاية المطاف.
يجب أن تُدار حياتنا بعمق الإدراك والوعي، وبقرارات مدروسة وحكيمة، وإن كانت في ظاهرها صغيرة، لكنها تتمازج مع أحداث الأيام المتكررة في عمر الإنسان. والذي يؤثر -بلا ريب- في حجم الأثر الذي نتركه، أو الصورة التي تبقى من أعمارنا في النهاية، هو الأسلوب الذي ندير به إيماننا، ووقتنا، وعلاقاتنا، ومشاعرنا؛ حتى لا تضيع الحياة سدى في أوحال القلق والسآمة والحزن، والانغماس في هوامش الحياة وتبعاتها الكثيرة.
إننا على موعد متجدد لأن نكون أصحاب أثر إيجابي حقيقي في أيام حياتنا، نترك من خلاله ذكرى طيبة، وأثراً جميلاً، وعلماً نافعاً، ومشاعر فيّاضة، ومحبة صادقة، واحتراماً وتقديراً وامتناناً ووفاءً لا يُنسى أبدًا. نحتاج أن نكون أكثر إدراكاً لأهمية إدارة حياتنا وسط الفوضى العارمة، أو داخل البيئات المُحبطة والسلبية.
فيما مضى من محطات حياتنا، وفي عقودٍ خلت، كنا نعيش حياة عفوية ممتنّة للآخرين، ندير عواطفنا ومشاعرنا وعلاقاتنا بدفء المحبة، وعناوين السعادة، وابتسامات الرضا والوفاء، والحنين إلى أيام الوفاء التي مضت. كنا إذا التقينا بأناس نحبهم، ولم نلتقِ بهم لفترات طويلة، احتضنّاهم بكل امتنان، وصافحناهم بكل حرارة، ووقفنا إجلالاً واحتراماً لمكانتهم، وتقديراً لعلمهم وخبرتهم وأعمارهم.
ودائماً ما أستذكر كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا لقي أصحابه عليهم رضوان الله، قابلهم بابتسامة ومصافحة صادقة. وقال أنس رضي الله عنه: «كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا». وقال صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلمَين يلتقيان فيتصافحان إلا غُفر لهما قبل أن يفترقا». وفي المقابل، تستغرب من أولئك الذين يباغتونك بسلبية المشاعر وعقم الأحاسيس، بلا ابتسامة، أو حضن دافئ، أو سلام ينبئ عن علاقة ود جمعتك بهم يوماً ما.
وما أروع أن ندير مشاعرنا بأسلوب «جبر الخواطر»، ذلك المعنى العظيم الذي تتجلّى آثاره في قول الله تعالى في ختام سورة آل عمران: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). إنه صبر داخلي، وصبر في مواجهة الحياة، ورباط في مواجهة التحديات، وأولئك الذين آذوك أو جرحوا مشاعرك. إن «جبر الخواطر» أسلوب حقيقي لإدارة مشاعرنا قبل مشاعر الآخرين، وأسلوب ينمّ عن إدراك تام بأحاسيسنا تجاه الناس، وبمشاعرنا التي يكون لها غالباً نصيب من الصدق والواقعية، إن أحسنّا علاقتنا بالمولى الكريم. لقد علّمنا الله سبحانه كيف يكون جبر الخواطر لقلوب مكسورة تناجيه بإحسان، وتدعوه بيقين، وتسأله حاجاتها كلها؛ كبيرها وصغيرها. كما كان الصحابة رضوان الله عليهم، والسلف الصالح، يسألون الله تعالى حتى ملح الطعام؛ فكان لهم نصيب من الخير، وجبر الخواطر، بإدارة صادقة لإيمانهم، وصدق دعواتهم، والإلحاح في طلب حاجاتهم. قال تعالى: (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ، قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ، إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).
لا نحتاج كثيراً إلى وضع خطط معقدة للأيام، بقدر حاجتنا إلى وضع خطة أصيلة لاستثمار لحظاتها في الخير، وترك بصمات الأثر الجميل. نحتاج إلى إدارة واعية لصور الأثر الذي نتركه، وأن نضع أيدينا في أيدي أولئك الذين سخّرهم الله تعالى ليكونوا شعلة في ميادين الخير، ومنارات وفاء في دروب العطاء. نحتاج أن نصمد كثيراً، وأن نصبر في إدارة أيام الحياة برمتها، من أجل أن نؤدي أدوارنا فيها على الوجه الأكمل، ابتغاءً لرضا الله تعالى أولاً. كما نحتاج إلى إدارة حقيقية لشهوات الحياة المباحة، حتى لا ننغمس فيها إلى الحد الذي يُبعدنا عن طريق الاستقامة، أو يؤخرنا عن ركب العطاء والأثر الإيجابي الحقيقي. فمن المؤسف حقاً أن نحصر أنفسنا في حدود تلك الشهوات، بينما يجب أن تكون نظرة المسلم أبعد من ذلك، وأن تتعلق بـ»الفردوس الأعلى»، فهو الهدف الأسمى الذي ينبغي أن نعمل في ظلاله، ونحن نعبر هذه الدنيا الفانية.
ومضة أمل
اقتربت تلك الأيام والأوقات العظيمة، التي نفرّ فيها من روتين الحياة إلى أيام مباركة، تتلألأ فيها مشاعر الخير والأجور، ويجتمع فيها ضيوف الرحمن على أرض النبوة. إنها فرصة العمر المتجددة، التي يمنحها المولى الكريم لكل من اختاره ليكون ضمن وفود الرحمن، أو ممن هيّأهم ليكونوا عوناً وسنداً لهم في أداء مناسكهم بيسر وسهولة. اللهم وفّق من اصطفيتهم لحج بيتك الحرام، وكل من دعوتهم ليكونوا في خدمتهم. اللهم آمين.