في أوقات الأزمات التي تتعرض لها الدول، تبرز أهمية الهوية الوطنية الجامعة كنقطة مفصلية لدى المجتمعات المتنوعة لتشكيل خط دفاع يحمي سيادة الوطن واستقراره ومقدراته.

وعندما يتعرض الوطن لاعتداءات غادرة تمس أمنه، فإن الخطر يواجه الجميع بلا استثناء؛ وهنا تصبح الهوية الوطنية اختباراً للمواطن؛ لأن الانتماء الحقيقي يتحول من مجرد شعارات إلى مواقف حقيقية تكشف أين يقف هذا الشخص ومع مَن يكون ولاؤه حين تتعارض الهويات الفرعية مع الوطن.

إن العدوان الإيراني الغاشم الذي استهدف مملكة البحرين في المرحلة الماضية لا يجب أن يكون محطة للاختلافات السياسية ومنطقة يتم فيها تبادل وجهات النظر المختلفة، بل هو الوقت المناسب لإعلاء المواطن لهويته الوطنية الأولى وإسقاط أي هويات ثانوية أخرى.

ومع ذلك، فإن التعاطف والتمجيد لهذا العدوان من قبل ثلة من الناس كشف بصورة جلية عن وجود اضطراب عميق ومزمن في تحديد الإنسان لهويته؛ لأن هؤلاء الفئة الذين اختاروا المسار الخاطئ قدموا انتماءاتهم المذهبية والأيديولوجية على هويتهم الوطنية الجامعة، رغم أن هذا العدوان لم يستثنِ أحداً، واستهدف مصدر رزق المواطنين وحياتهم بشكل مباشر.

أزمة الهوية لدى هؤلاء جعلت منهم يحولون العدوان إلى قضية رأي سياسية قابلة للنقاش، على الرغم من أن الوطن يعيش لحظات خطر تسقط فيها كل القضايا الجانبية؛ فأمن البحرين ليست مساحة رمادية قابلة للتأويلات أو الحسابات المذهبية، بل هنا خط أحمر عريض يجب أن تذوب فيه كل الانقسامات الفرعية.

لكن المشكلة أن بعض العقول نشأت لسنوات طويلة على مفهوم «المظلومية الدائمة»، وعلى خطاب يصور الدولة باعتبارها خصماً، مما سهل تغذية الانتماء العابر للحدود، حتى أصبحت الهوية المذهبية لدى البعض أعلى من هوية الدولة نفسها.

ويفسر علم النفس الاجتماعي هذه الحالة فيما يعرف بـ «الهوية الجماعية المغلقة»، حيث ينحاز الفرد إلى جماعته الفرعية بصورة تجعله يرى الوطن من زاوية الطائفة، وليس الطائفة من زاوية الوطن.

ومما يعقد هذا الموقف هو فقدان الإنسان للقدرة على التمييز بين حقه الطبيعي في الانتماء للمذهب أو القبيلة وبين تحويل هذا الانتماء إلى موقف سياسي أو أيديولوجي يتصادم مع الدولة والمجتمع المتنوع مذهبياً وأيديولوجياً.

إن الاختلاف في الدين والعرق يعد جزءاً طبيعياً من أي مجتمعات إنسانية، بل أن كثيراً من الدول المتقدمة تعتبر هذا التباين قوة لها، لكن الكارثة حينما تتحول الهوية الفرعية إلى مشروع سياسي يلغي الوطن، ويضعه في المرتبة الثانية.

إن الأوطان هي المظلة الكبرى التي تحمي الجميع مهما كانت اختلافاتهم، وإذا سقط الوطن فلن تبقى أي هوية أخرى قادرة على حماية أصحابها.

لقد أثبت البحرينيون الشرفاء خلال هذه الأزمة أن الهوية الوطنية ما زالت قوية ومتجذرة، وأن الأغلبية وقفت صفاً واحداً خلف وطنها وقيادتها ومؤسساتها التي تمكنت من حماية الأمن وفرض السيادة، لكن ما حدث يجب أن يدفعنا أيضاً إلى مراجعة عميقة لاضطرابات الهوية التي يعيشها البعض - غالباً دون وعي حقيقي منهم - لأن المعركة اليوم لا تقف عند الصواريخ والطائرات المسيرة التي تصدت لها الدفاعات الجوية بكفاءة عالية؛ بل تصل إلى حرب المعلومات والأفكار والتعبئة التي يعمل العدو على ترسيخها لدينا.