في لحظات المساء الهادئة، حين تمتد يدك لتتناول كتاباً من رفٍّ قريب، وأنت في بيتك آمن ومطمئن، لا يؤرقك غير سؤال بسيط: من أيّ الصفحات أبدأ؟ تلك لحظة ليست عادية أبداً، بل هي تقاطع نعمتين عظيمتين يجهل كثير منّا قيمتهما لأنهما أصبحتا كالهواء الذي نستنشقه دون أن نشعر به: نعمة الأمن والأمان في الوطن، ونعمة الحب للمعرفة والاطلاع والشغف لقراءة كتاب!
الأمن ليس مجرد غياب الرصاص، ولا صمت الشوارع في الليل. هو تلك الحالة الخفية التي تتيح للعقل أن يتنفس، وللروح أن تتجاوز حدود البقاء نحو آفاق التساؤل. فحين يكون القلب مشغولاً بالخوف والذعر، يغدو التفكيرُ ترفاً، والقراءة رفاهية بعيدة المنال.
لم تقم حضارات الإنسان الكبرى إلا على أكتاف الأمن والاستقرار في الأوطان، فبغداد العباسية لم تكن دار حكمتها الخالدة مجرد مجموعة كتب مجمّعة، بل كانت ثمرة استقرار سمح لعلمائها ومترجميها وفلاسفتها بأن يجلسوا ساعات طوال دون أن يشغلهم هاجس الخوف، فاستكشفوا الكون من أوراق مصفوفة في هدوء. والأندلس لم ينبث إرثها الفكري الوارف إلا في أحضان أمد من السلام. الأمن إذاً ليس مجرّد مقدمة للمعرفة، بل هو التربة التي لا تنبت إلا فيها!
تخيّل تلك اللحظة، حين تفتح فيها روايةً فتبدأ سطورها بجذبك شيئأ فشيئاً بعيدًا عن زمانك ومكانك؛ تجد نفسك في قلب باريس القرن التاسع عشر، أو على سفح جبل في اليابان، أو داخل عقل فيلسوف يجادل الزمن. هذا الاندماج بين الذات والكلمة لا يحدث إلا عندما يكون الجسد آمنًا والروح مطمئنة.
لكن هناك حجاباً رقيقاً خادعاً يُسمى العادة أو « أُلفة النعمة «، ذلك الشعور الذي يجعل ما هو نادر وثمين يبدو عادياً عندما يكون متاحاً باستمرار. نسير كل يوم تحت السماء بأمان دون أن نتوقف لنشكر خالقها، ونمد أيدينا إلى كتبنا الورقية والرقمية لنقرأها دون أن نندهش أو نتعجب أمام هذه الوفرة الهائلة.
تخيّل طفلاً يعيش في منطقة نزاع؛ حقيبته المدرسية أمنية مؤجلة. وتخيّل امرأة لاجئة تحمل طفلها في يد وخيوط أملها في الأخرى، ليس لديها وقت لتسأل: ماذا يقول ابن رشد أو ابن خلدون عن هذا؟ بالنسبة لهم، الكتب ليست ترفاً ثقافياً، بل هي حلمٌ يُجاور الرغيف في سلم الأولويات. رفوف كتبك المكتظة، وتطبيقك الرقمي الذي يضم آلاف العناوين، ومكتبتك الهادئة في ركن منزلك، ليست أموراً تُؤخذ كأمرٍ مُسلّم بها. إنها معجزات صغيرة تتراكم لتُشكّل نمط حياة يحلم به الكثيرون حول العالم.
في هذا اليوم العالمي للكتاب، قبل أن تقلب الصفحة الأولى من كتابك، خذ لحظةً لشكر الله وحمده على نعمة الأمن والأمان التي تنعم بها، والحرية التي تمنحك الحق في الاختيار بين هذا الكتاب وذاك، والسكينة التي تُتيح لك استكشاف عوالم الكلمات بكل خفةٍ وهدوء.
اجعل من كل كتاب تُنهيه احتفالاً مزدوجاً: احتفالاً بالمعرفة ولذة القراءة اللذين اكتسبتهما، واحتفالاً بتلك النعمة الخفية الكامنة - نعمة الأمن في الوطن - وراء كل كلمة تقرأها في سلام واطمئنان.
أدام الله الأمن والأمان والاستقرار على وطننا الغالي مملكة البحرين بلد الكرام ومهد السلام، وحفظ الله قيادتها الرشيدة وشعبها والمقيمين على أرضها.