حين تلوح في الأفق أزمات كبرى، أو تندلع الحروب، يذهب بعض المتشائمين إلى الاعتقاد بأن مجتمعات دول الخليج العربي، بما تنعم به من استقرار ورفاهية، قد لا تكون قادرة على الصمود أمام الظروف الاستثنائية، وأنها سرعان ما ستضطرب أو تتفكك تحت وطأة المحن. غير أن الواقع أثبت عكس ذلك تماماً، فقد برهنت مملكة البحرين وشقيقاتها دول مجلس التعاون الخليجي، خلال الحرب التي امتدت تسعةً وثلاثين يوماً، على قدرة عالية في الصمود، وكفاءة لافتة في إدارة الأزمات، وتماسك وطني يستحق الإشادة والفخر.
لقد برزت أولى صور هذا التميز في الجاهزية العسكرية والقدرات الدفاعية، حيث تمكنت الدفاعات الجوية الخليجية من التصدي لما يزيد على تسعين في المئة من الهجمات العدوانية الإيرانية التي استهدفت المنطقة، في مشهد عكس مستوى الاحترافية العالية، والتخطيط المسبق، والاستعداد المتقدم الذي وصلت إليه المنظومات العسكرية في دول الخليج. وكان ذلك دليلاً واضحاً على أن أمن هذه الدول يقوم على أسس راسخة من الكفاءة والجاهزية، وليس على مظاهر الرفاه فحسب.
ولم يقتصر التميز على الجانب العسكري، بل تجلّى كذلك في سرعة الاستجابة الميدانية من قبل أجهزة الشرطة والدفاع المدني، التي تعاملت بكفاءة عالية مع سقوط الشظايا، ووقوع الأضرار، وإصابة الجرحى، واندلاع الحرائق. لقد كانت سرعة الحضور، وحسن التنظيم، وكفاءة المعالجة، موضع تقدير وإعجاب، وعكست حجم الجهود التي تبذلها مؤسسات الدولة في حماية الأرواح والممتلكات.
وفي الوقت ذاته، أثبتت الدولة قدرتها على ضمان استمرارية الحياة اليومية للمواطنين والمقيمين، من خلال توفير الوقود، والمواد الغذائية، والخدمات الصحية، وسائر الخدمات الأساسية دون انقطاع يُذكر. كما شكّل نظام الإنذار المبكر، والرسائل الفورية التي وصلت إلى الجميع، إلى جانب صفارات الإنذار، صورة واضحة لمدى حرص السلطات على السلامة العامة، وحرصها على إدارة الأزمة بأعلى درجات المسؤولية والشفافية.
ومن أبهى الصور التي أفرزتها تلك الأيام العصيبة، ما شهدناه من وحدة وطنية صادقة، وحب عميق للوطن، واستعداد كريم للتضحية من أجل سلامته وأمنه. وقد تجلّى ذلك في الإقبال الكبير على مركز التطوع الوطني في مختلف المجالات، حيث سجّل عشرات الآلاف من المواطنين والمقيمين أسماءهم للمساهمة في خدمة الوطن، في مشهد يعكس عمق الانتماء، ويؤكد أن البحرين، ومعها دول الخليج، تملك ثروة بشرية ووطنية لا تقل أهمية عن أي قوة مادية.
كما كشفت الأزمة عن مستوى رفيع من التكامل والتعاون بين دول مجلس التعاون الخليجي، سياسياً وأمنياً وخدمياً، وهو ما يؤكد أن وحدة المصير ليست مجرد شعار، بل واقعاً عملياً يتجسد في أوقات الشدة قبل الرخاء.
إن هذه المكتسبات الوطنية والخليجية تمثل رصيداً استراتيجياً يجب رعايته وتطويره، والبناء عليه لصناعة منظومة دفاعية متقدمة، وبنية تحتية أكثر صلابة، قادرة على مواجهة أصعب الظروف والسيناريوهات المحتملة. كما أن من الواجب الاستفادة من هذه التجربة لتعزيز الإيجابيات، ومعالجة أوجه القصور والثغرات، بما يرفع من مستوى الجاهزية والاستعداد للمستقبل.
لقد رسّخت هذه الحرب، رغم قسوتها، في نفوسنا ثقةً أكبر بأوطاننا وقياداتنا، التي تفانت في الدفاع عن الوطن، وحفظ أمنه، وضمان استمرار الخدمات لمواطنيه والمقيمين فيه، بقيادة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، حفظهما الله ورعاهما. لقد كان هذا الأداء العالي مصدر شرف وفخر لكل بحريني وكل خليجي، وقد أسكت أولئك الشامتين الذين كانوا يترقبون سقوطنا وانهيارنا حسداً وتمنّياً. ولكن بحمد الله، ثم بوعي الشعوب وحكمة القيادة وكفاءة المؤسسات، خرجت البحرين ودول الخليج من هذه المحنة أكثر قوةً وثقةً وصلابة. والحمد لله على توفيقه، وحفظه، ومعونته.