بيان وزارة الداخلية بالأمس أوضح منطلقات عمل «الخلية الإرهابية» بعناصرها الخائنة، وآلية عملها. وما أقبحها من آلية خطيرة، تلك التي سعت إلى «سلخ» المواطن عن هويته، باستخدام الدين والمذهب، لتحوّله إلى «خنجر» يضرب وطنه.

التفصيل المنشور، وضّح أساس مشروعهم، كيف بنوه على استغلال المذهب ليستهدفوا إخوتنا أبناء الطائفة الشيعية الكريمة، استهدافاً أُريد به السيطرة على الإنسان نفسه، وسلب إرادته الوطنية بتدرّج مدروس، لينتهي في النهاية إلى «تابع» لفكر ولاية الفقيه.

هو مشروع لاختطاف المجتمع؛ اختطاف يبدأ بالعقول وباسم الدين والمذهب، اختطافٌ يقنع المستهدفين بأن الولاء لا يجب أن يكون للوطن، بل للجهة التي تتبنّى هذا الفكر الضال، بحيث أنه لو طلب منك ضرب هذا الوطن الذي عشت فيه وأكلت من خيره، فإنك لا يجب أن تتردّد إطلاقاً.

ما هو أسوأ من استغلال الدين؟! ما هو أخطر من تشويه المذاهب، وتحويل أهلها لمجموعات تنتهج الخيانة ضد أوطانها، بل وتعتبرها رسالة مقدسة؟! هذا كان هدفهم.

طوال سنوات مضى هذا المخطط ليتوسّع من قِبل هذه الأطراف التي كُشف ولاؤها بأنه يتجه لإيران ووليها الفقيه، سواء من تلك الجمعية الانقلابية المنحلة، أو ما يُسمى بالمجلس العلمائي، والذي كانت له مواقف كثيرة صريحة ضد البحرين، وضد وحدة شعبها، وحاول بخطابات مسيّسة وطائفية تأليب المواطن الشيعي على شقيقه المواطن السنّي.

هذا التقسيم الطائفي كان ورقتهم الأساسية، لأنهم يعلمون تماماً كيف تكون قوة البحرين حينما يتوحد أبناؤها السنة والشيعة وبقية المكونات مع بعض، يدركون تماماً بأن هذه الوحدة الوطنية سيعجز أمامها أي مشروع إيراني، سيتهاوى أمام وعيها أي فكر سياسي ظال مثل «ولاية الفقيه»، سيقوى بوحدتها الوطن لأنها ستلفظ كل محاولات الخيانة واختطاف الإرادة وتطويع النواصي باستغلال الدين والمذهب.

لذلك كان تركيزهم أكبر على الشرائح الصغيرة، على الناشئة، على غرس الكراهية للوطن باسم الدين والمذهب، وهنا ضعوا ألف خط أحمر، ديننا ومذاهبنا براء من كل هذا التأسيس، ومن كل هذه الطأفنة. لكن المصيبة كانت في طرائق التنفيذ.

نتحدث عن إرهاب ممنهج بحق إخواننا في الطائفة الشيعية الكريمة، نتحدث عن ترهيب فكري وعقائدي، وعزل فئوي، بل «اغتيال مجتمعي» وهو التوصيف الذي أشار له زميلنا الكاتب والروائي الأستاذ جعفر سلمان، حينما كشف وبشجاعة عن أساليب اختطاف المجتمع الشيعي، ومساعي السيطرة عليه، والاستماتة لتغييب العقول والإرادة، بل وإسكات كل صوت وطني شيعي يرفض الإساءة لوطنه.

ركّزوا فيما فعلوه من إجرام بحق الوطن باستخدام الدين والمذهب، ووفق منهجية الولي الفقيه القائمة على الولائية المطلقة للمرشد الإيراني، حوّلوا المساجد والمآتم والمنابر الدينية والحوزات، وحتى رياض الأطفال (طبعاً تتذكّرون مشاهد عديدة لكيفية غسل أدمغة الأطفال الأبرياء)، حوّلوا كل هذه الأوساط التي يفترض أنها أوساط راقية تبني الإنسان السويّ وتعزّز وطنيته وتُقوّي إيمانه، حوّلوها لحاضنات هدفها زراعة فكر مضاد ومعادٍ للوطن، ونجحوا في التأثير على الكثيرين.

هذا التنظيم في مساعيه المبنية على نوايا أسياده، عمل لصناعة مجموعات تُستغل في مواجهة الدولة، والأساس كان ضرورة النجاح في التحكّم بالمجتمع الشيعي نفسه، لابد وأن تتحول لديهم القضية الأولى من «ولاء وانتماء للوطن» إلى «محاربة الوطن» لأن الولي الفقيه والمرشد الإيراني يريد ذلك.

نعم تأثرت مجموعات، ورأينا مواقف استغربنا فيها من كيفية تحول البعض إلى معادٍ لوطنه بدل الدفاع عنه، في مقابل محاولات «لقمع الصوت الشيعي الوطني»، عبر ترهيب المخلصين من إخواننا الشيعة، من خلال عزلهم اجتماعياً وتهديدهم وترويعهم، وإجبارهم على أن يكونوا «فئة صامتة» يُفرض عليها أن تقبل بتصنيفات وتفسيرات من الآخرين، جرّاء ما تفعله فئات أقل منهم عدداً بكثير، لكنهم فئات مؤدلجة.

هل ظُلم المواطن الشيعي المخلص هنا؟! نعم قلناها وكررناها مرّات عديدة، نعم ظُلموا حينما فرض «غربان الظلام» هؤلاء الصمت بالترهيب والترويع والتخوين واللفظ من المذهب لو تكلّموا ودافعوا عن وطنهم مثلما فعلوا مرات عديدة في حقب ماضية من الزمان. هؤلاء الخونة ظلموا المواطن البحريني الشيعي المخلص حينما نصّبوا أنفسهم متحدثين رسميين عنه، مثلما كانت تفعل الجمعية المنحلّة، وحينما حوّلوا الصغار إلى أدوات محرقة يستغلونهم في إرهاب الشوارع ومواجهة رجال الأمن.

والله إنّ ما تفعله البحرين اليوم، عبر إرادة جلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، وجهود صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد

آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، وما تبذله الأجهزة الأمنية من مساعٍ لرصد تحركات الخونة، والقبض على الخلايا التي تنفّذ فكر الولي الفقيه الإيراني، ما تفعله البحرين هو حماية لأبنائها من الطائفة الشيعية، بل هو عملية «تحرير لإرادة» إخواننا في الوطن من هذا الإرهاب الفكري البشع الذي مُورس عليهم.

قضيّتنا في البحرين لم تكن إطلاقاً «سنة وشيعة»، بل كلّنا نعرف كيف هم «السنة والشيعة الوطنيون» فيما بينهم، قبل أن تظهر لنا جمعية الولي الفقيه ومرجعها، بل قضيتنا مع هؤلاء الذين استغلوا المذهب والدين وتغلغلوا في مفاصل حاضنات العلم والعمل الخيري والأهلي ليضربوا الهوية الوطنية للمواطن الشيعي.

لسنوات تجنّبت شخصياً الحديث بهذه اللغة، أكره التقسيمات المذهبية، لأنني أؤمن بأن الدين لله وحده، والوطن للجميع، ولأن الخونة والانقلابيين كانوا ومازالوا يستغلون «الألفاظ» ليمارسوا غسيل الأدمغة من جديد على كل «من يقرأ العناوين ولا يقرأ المضمون»، بحيث صوّروا لهم بأن ذكر ألفاظ «سني وشيعي» تعني استهدافاً طائفياً، بينما الفارق بأننا وكثيرين غيرنا كنا ومازلنا ندافع عن إخواننا الشيعة الوطنيين أكثر من تلك الجماعات التي نصّبت أنفسها أوصياء عليهم واستغلتهم أسوأ استغلال.

اليوم، خيراً ما قام به جلالة الملك المعظم، هذا القائد والأب الحاني والإنسان الذي همّهُ الحفاظ على جميع أبنائه. خيراً ما فعل بالضرب بيد قوية على كل هذه التنظيمات الخائنة والآثمة، وكل هذا أبرز لدينا هذا الاصطفاف الوطني القوي من جميع أبناء الوطن؛ تفاعلٌ جعل الصوت الشيعي الوطني يخرج بشجاعة عالياً وقوياً، ويمضي بموازاة الصوت السني الوطني، وكل الأصوات المخلصة، وهو ما حرّك مشاعر الغيرة لدى أبناء البحرين. فاليوم، قيادتهم وبلادهم تحرّر العقول والإرادات من سطوة تجار الدين والمتاجرين بمصائرهم.

حفظ الله البحرين بأهلها المخلصين جميعاً، وجعلهم دوماً ملتفين حول قائدهم الإنسان، وحول حكومتهم التي تعمل من أجلهم، وأبعد عنهم كلَّ مُخطَّط آثمٍ خبيث.