حذر مسؤول دولي بارز يشرف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة من أن استمرار الجمود السياسي والعسكري قد يؤدي إلى ترسيخ تقسيم دائم للقطاع، في وقت توسع فيه إسرائيل نطاق سيطرتها الميدانية داخل غزة، وسط استمرار العمليات العسكرية والتوترات الإقليمية.

وقال نيكولاي ملادينوف، المدير العام لـ«مجلس السلام لغزة» والمسؤول عن متابعة تنفيذ اتفاق وقف النار المدعوم أمريكياً، إن الفشل في دفع الاتفاق نحو مراحله التالية سيؤدي إلى "واقع خطير” يترك أكثر من مليوني فلسطيني بلا أفق سياسي أو اقتصادي، بينما يكرّس الوجود الإسرائيلي طويل الأمد في أجزاء واسعة من القطاع المدمر.

وأضاف ملادينوف خلال مؤتمر صحافي في القدس، هو الأول له منذ توليه منصبه في يناير الماضي، أن "الوضع القائم لا يجب أن يكون خياراً لأحد”، مشيراً إلى أن استمرار التأخير في معالجة مستقبل غزة سيجعل هذا الواقع أكثر ثباتاً وصعوبة في التغيير مستقبلاً.

مخاوف من تحول خطوط الفصل إلى حدود دائمة

وأوضح المسؤول الدولي أن القوات الإسرائيلية انسحبت بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر 2025 إلى ما يعرف بـ«الخط الأصفر»، الذي كان يشمل نحو 53% من مساحة قطاع غزة، إلا أن الخرائط الميدانية الجديدة تشير إلى توسع نطاق السيطرة الإسرائيلية ليصل إلى نحو 64% من القطاع.

وأشار إلى أن هذا التوسع قد يحول خطوط الفصل المؤقتة إلى "سياج أو جدار دائم”، ما يعني فعلياً اختفاء غزة ككيان جغرافي متماسك.

وقال ملادينوف: "عند تلك النقطة لن يعود مهماً أين يقع الخط الأصفر، لأن غزة ستكون قد اختفت عملياً”، محذراً في الوقت ذاته من أن هذا الوضع لن يحقق الأمن لإسرائيل أيضاً، لأن حركة حماس "ستعيد بناء قدراتها وتعود للتهديد مجدداً”.

استمرار الغارات رغم وقف إطلاق النار

ورغم دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ قبل سبعة أشهر، أقر ملادينوف بأن الاتفاق "بعيد عن الكمال”، لكنه أشار إلى أنه وفر قدراً من الاستقرار النسبي مقارنة بفترات الحرب المفتوحة.

وأكد أن الوسطاء الدوليين، ومن بينهم الولايات المتحدة ومصر وقطر وتركيا، يواصلون مراقبة الانتهاكات والعمل على الحد منها، مشيراً إلى أن الضربات الجوية والتحركات العسكرية الإسرائيلية داخل القطاع ما تزال تمثل خروقات مستمرة للاتفاق.

وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية، فقد قُتل أكثر من 850 فلسطينياً منذ بدء سريان وقف إطلاق النار نتيجة الغارات الإسرائيلية شبه اليومية على مناطق مختلفة من القطاع.

وقال ملادينوف إن المدنيين ما يزالون يعيشون حالة خوف دائم، مضيفاً أن "الحرب بالنسبة لسكان غزة لم تنتهِ فعلياً حتى الآن”.

خطة سلام من 50 نقطة

وأشاد المسؤول الدولي بخطة السلام المدعومة أمريكياً، والتي توسعت من 20 نقطة إلى وثيقة تنفيذية من 50 بنداً، جرى تطويرها بالتنسيق مع الوسطاء ومناقشتها مع إسرائيل وحماس.

وأوضح أن الخطة تهدف إلى تمهيد الطريق لإعادة إعمار واسعة النطاق، وانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة، وإنشاء إدارة فلسطينية جديدة، إضافة إلى خلق فرص عمل وفتح أفق سياسي يؤدي إلى تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية.

وأشار إلى أن الخطة تعتمد على "مبدأ المعاملة بالمثل وليس الثقة”، حيث يرتبط تنفيذ كل خطوة من أحد الطرفين بتنفيذ الطرف الآخر لالتزاماته.

سلاح حماس العقبة الأكبر

واعتبر ملادينوف أن قضية نزع سلاح حماس تمثل العقبة الأهم أمام تنفيذ الاتفاق بالكامل، مؤكداً أن الخطة تنص على إنهاء سيطرة الحركة على غزة وتفكيك بنيتها العسكرية.

وقال إن "الفصائل المسلحة التي تمتلك أنظمة قيادة وسيطرة خاصة بها لا يمكن أن تستمر”، موضحاً أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تتم "في ظل وجود ميليشيات في كل زاوية”.

وأضاف أن الاتفاق يتضمن برامج لشراء الأسلحة بشكل طوعي، ومنح عفو مشروط لمن يتخلى عن السلاح، إضافة إلى توفير ممرات آمنة للراغبين بمغادرة القطاع.

وأكد أن إسرائيل تربط انسحابها الكامل من غزة بتحقيق هذه الشروط، وفي مقدمتها نزع سلاح حماس وإنشاء إدارة مدنية جديدة للقطاع.

اتهامات لحماس بتعزيز قبضتها

واتهم ملادينوف حركة حماس بمحاولة تعزيز سيطرتها على سكان القطاع خلال فترة الهدنة، من خلال فرض الضرائب ومنع بعض مشاريع إعادة الإعمار وإعاقة عمل المقاولين.

وتساءل: "إلى أي هدف يحدث ذلك؟ هل هو لتحسين شروط التفاوض فقط؟”، معتبراً أن استمرار هذا الوضع يهدد فرص تثبيت السلام وإعادة بناء غزة.