بدر علي قمبر

ما زلت أكتب سطور «أثر الأيام التي نعيشها»، وما زالت أصداء ذلك «التعب الذهني» الذي يلفّنا جميعاً في أيام الحياة المتسارعة، ترنّ في مخيلتنا، لسبب بسيط؛ وهو أننا لم نعد قادرين على تحمّل تلك التغييرات والأعباء الحياتية التي تتقاذفنا يمنةً ويسرةً، والتي باتت تضغط على نسيج تفكيرنا. باختصار، نحتاج إلى عودة حقيقية إلى مساحات الطمأنينة والسكينة التي تُطمئن قلوبنا، وتُسكن أرواحنا، تلك الأرواح التي باتت في أمسّ الحاجة إلى أن يكون معينها حياض الإيمان الصادق، والعلاقة الحقيقية بالمولى الكريم. وفي الحقيقة، فإننا نحتاج إلى «مساحات التأمل والهدوء النفسي» قبل أن تسحبنا تيارات الحياة المُهلكة بعيدًا عن إنجازات أثر الأيام. نحتاج بالفعل إلى أن نتوقف، ونلتقط الأنفاس، ونضع حداً للمهاترات غير المجدية، وللأوقات العقيمة الفائدة، التي يذهب جلّها في مساحات لا نفع فيها. نحتاج إلى أن نخلد إلى السكون النفسي، ونجدد الفكر، ونوقظ التفاصيل الصغيرة في حياتنا، ونفزع إلى محطة تزيل كل الإزعاجات، وتجعلنا بالفعل نستفيد من أثر حياتنا إيجاباً بلا منغصات ولا ضغوط حياتية.

جميل ذلك التلاحم الوطني، والوفاء والولاء والمحبة الصادقة لحضرة صاحب الجلالة ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، من العوائل والأسر البحرينية التي كتبت أروع معاني التلاحم الوطني، والوفاء للوطن والقيادة، بعبارات خطّتها حباً لهذه الأرض التي نشأنا على حبها والحفاظ على أمنها واستقرارها.

وباسم الوالد الغالي علي حسن قمبر، رحمه الله رحمة واسعة، الذي أفنى حياته خدمةً للوطن العزيز، وقدّم الخير والعطاء في أكثر من مجال، والذي كان في كثير من اللحظات يعزز فينا حب الوطن والقيادة، ويدعو دائمًا إلى أن نكون قلباً واحداً نابضاً بالمحبة والعطاء المتجدد، وباسم كل فرد من هذا النسل الكريم، نجدد محبتنا وولاءنا لجلالة الملك المعظم، حفظه الله ورعاه، وتأييدنا لما تضمنه خطاب جلالته من مضامين وطنية راسخة تعزز الوحدة الوطنية. وما تفضل به جلالته يمثل نهجاً وطنياً حكيماً يضع أمن مملكة البحرين واستقرارها وسيادتها فوق كل اعتبار، مؤكدين الوقوف صفاً واحداً خلف قيادة جلالته وراية الوطن العزيز، حفاظاً على تلك المحبة الراسخة التي تسري في عروقنا جيلاً بعد جيل.

سائلين المولى الكريم أن يحفظ جلالته، ويمتعه بموفور الصحة والعافية، ويبقيه وولي عهده الأمين سنداً وعوناً لأبناء هذا الوطن العزيز، وذخراً لعمل الخير، وأن يعينه على حمل الأمانة، ويسخر له أبواب الخير التي تعينه على ما ينفع البلاد والعباد.

وكعادتها، تتحفنا المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية، وفي سياق احتفائها بمرور خمسة وعشرين عاماً على تأسيسها، بالمبادرات الجديدة، وبأسلوب نوعي ومهني مُبدع، تسعى من خلاله إلى التأثير في المجتمع، وصناعة الوعي، وتحقيق التأثير المجتمعي المستدام. ومن ذلك سلسلة «حب البحرين» التي أطلقتها المؤسسة مؤخرًا، وهي عبارة عن حلقات حوارية يديرها نخبة من الوجوه المُبدعة والمتألقة في مجالاتها الفكرية والإنسانية، والممزوجة بروح التجديد والخبرة الحياتية والإدارية الناضجة.

وتُقدَّم هذه السلسلة عبر منصة «التيمز»، وقد شارك من خلالها عدد كبير من أفراد المجتمع، الذين ساهموا كذلك بفاعلية في إبرازها بصورتها المشرفة. وقد سُعدت بأن أكون أحد المشاركين في الحلقة الحوارية مع المُبدعة الأخت إيمان الخاجة، حيث تحدثنا فيها، وبروح عفوية ورسائل وقيم مجتمعية، عن «صنع الأثر وبناء الوطن». وركزنا خلالها على محاور «أثر المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية» التي خطّتها الرؤية الملكية الحكيمة، ثم أثر العطاء المجتمعي، وأثر العطاء الوطني، التي تتمثل مخرجاتها جميعاً في الحب والولاء والعطاء والمساهمة في نهضة الوطن وازدهاره.

واللافت للنظر أن هناك العديد من التجارب الواعدة، والأثر الجميل الذي ما زال البعض يتذكره في محطات متعددة من ذاكرة الوطن العزيز، وما زالت أصداء هذا الأثر بائنةً في حياة الناس. والجميل كذلك أن مفاهيم «الأثر الوطني» تتعدد وتتغير من شخص إلى آخر، والذي يبدأ غالبًا من الأبوين داخل الأسرة، فهما صنّاع الأثر الحقيقي في هذه الحياة. نحتاج بالفعل إلى أن نتشارك في مثل هذه المساحات الحوارية المثرية، وأن ننشر القيم؛ فهي في حد ذاتها سلاح مؤثر في تغيير الأجيال، وتغيير القناعات، وتشجيع الأجيال على أن يكونوا صنّاع خير مؤثرين في مجتمعاتهم، يهدون أثرهم بلا مقابل.

أما الذين لا يهتمون بالإنجاز والأثر الحقيقي، ولا يحرصون على أن يكونوا روّاداً وطنيين مُخلصين لله تعالى أولاً، ثم لمبادئهم ووطنهم وقيادتهم، فإن ذاكرة التاريخ الوطني لن تخلّد ذكراهم أبداً، بل لن يكون لهم موطئ قدم في أيام الحياة المؤثرة. وعندما نقول «روّاد الصف الأول»، فإنما نعني أولئك الذين تقدموا إيماناً وعملاً وقولاً على الآخرين، كمن يحرص على أن يكون في ميامن الصفوف الأولى في المساجد، دون أن ينتظر غيره ليحجز له المساحات، لأنهم على موعد مع أجور تنتظرهم في أخراهم. هكذا هم روّاد الأثر الحقيقي في الحياة؛ لا ينتظرون قدوم غيرهم، بقدر ما يكونون أبطالاً في العطاء والأثر، لا يلتفتون إلى أولئك المُثبطين، ولا إلى الذين ابتغوا تصدّر منصات البروز الإعلامي بلا أثر مرجو، بل تقدموا ليقولوا كلماتهم في ميادين الخير والإنسانية.

هناك بسطاء من الناس نشؤوا في بيئات بسيطة، لكنك تتعلم منهم الكثير؛ تتعلم منهم المحبة الصادقة، والوفاء، والدعوات الخالصة، فهم في تواصل دائم معك. وهناك من خبراء الحياة من تحتاج إلى أن تقف معهم في محطات حياتهم، وتتبادل معهم الوفاء، وتستفيد من نضجهم وخبراتهم وتجاربهم، بما يعينك على أيام الحياة. وهناك أيضًا من الناس من تحتاج إلى أن توصد أبواب حياتك عنهم سريعاً، حتى لا تضيع أوقاتك وجهدك فيما لا فائدة منه، لأنهم، باختصار، يعبثون بالجهد والوقت، ويعيشون حياة عشوائية، ولا يؤدون أعمالهم بذمة ولا ضمير. وباختصار، نحن ممتنون لأولئك المؤثرين الذين نقلوا حياتنا إلى حياة أثر مستدام ينبع منه الخير والإحسان.