«........فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ.....»، الآية (17) من سورة الرعد، بهذه الحقيقة القرآنية يمكن قراءة واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ الخليج العربي الحديث؛ فالمشاريع التي تقوم على الفوضى والولاءات العابرة للأوطان قد تُحدث ضجيجاً عالياً، لكنها لا تصمد أمام دولة تعرف كيف تحمي هويتها، ولا أمام شعوب أدركت أن الأمن لم يعد مجرد حدود تُحرس، بل وعي يُصان وانتماء يُدافع عنه.
حين أعلنت الجهات الأمنية في مملكة البحرين القبض على 41 شخصاً ضمن تنظيم مرتبط بالحرس الثوري الإيراني، ويتبنى فكر «ولاية الفقيه»، لم يكن الرقم عادياً في الحسابات السياسية والأمنية، لأن القضية تجاوزت حدود خلية أو مجموعة، وكشفت حجم المشروع الذي حاول التسلل عبر بوابات الفكر والطائفية وصناعة الولاءات البديلة للدولة الوطنية، هنا تحديداً، لم تكن البحرين تواجه تهديداً أمنياً فحسب، بل اختباراً يتعلق بحماية الهوية الوطنية الخليجية بكل أبعادها السياسية والاجتماعية والثقافية.
إيران، التي بنت جزءاً من مشروعها الإقليمي على تصدير الأزمات، أخطأت في قراءة الخليج العربي، وظنت أن المجتمعات الخليجية يمكن اختراقها عبر استثمار الانقسامات، لكن ما حدث على أرض الواقع جاء معاكساً تماماً؛ فبدلاً من إضعاف المنطقة، أعادت هذه الاعتداءات تشكيل حالة خليجية أكثر تماسكاً وصلابة.
في البحرين برز نموذج مختلف في إدارة الأزمات؛ إذ لم تقتصر المواجهة على الجانب الأمني، بل شملت البعد الفكري والإعلامي والتنموي والمجتمعي، الدولة تحركت بمنطق الاستباق لا بردة الفعل، وهو ما انعكس في كشف المخططات قبل تحولها إلى فوضى مفتوحة، كما عكس تطور المؤسسات الأمنية الخليجية التي باتت تعتمد على الرصد المبكر والتكامل الاستخباراتي والعمل الوقائي.
كلمات حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه رسخت خلال هذه المرحلة مفهوماً واضحاً بأن أمن البحرين جزء من هيبة الدولة وكرامتها، وأن وحدة الشعب البحريني هي الجدار الذي تتحطم عليه كل محاولات الاختراق، وفي السياق ذاته، أكدت رؤية صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله أن التنمية والأمن مشروع وطني واحد، لذلك لم تتوقف مسيرة البناء رغم التحديات.
أما معالي الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة وزير الداخلية، فقد وضع جوهر المعركة في مكانه الحقيقي، حين أشار إلى أن الخطر لا يكمن فقط في أدوات التخريب، بل في الفكر الذي يحاول اختطاف الوعي وتوجيه الولاء بعيداً عن الوطن.
الاعتداءات الإيرانية الآثمة كشفت أيضاً أن الخليج العربي لم يعد كما كان قبل سنوات؛ فهناك اليوم تنسيق أمني واستخباراتي متقدم، وقدرات دفاعية أثبتت جاهزيتها، ووعي شعبي أكثر إدراكاً لطبيعة التحديات، كما أثبتت دول الخليج العربي قدرتها على حماية اقتصادها واستمرار مشاريعها التنموية رغم التصعيد، في رسالة واضحة بأن الاستقرار الخليجي أصبح قائماً على مؤسسات قوية لا تهزها الأزمات.
الخليج خرج من هذه المرحلة أكثر نضجاً وتماسكاً، وأدرك أن حماية الأوطان تبدأ من حماية الوعي الوطني، ولهذا، فإن أكبر خسائر المشروع الإيراني لم تكن سقوط مخططاته فقط، بل سقوط رهانه على تفكيك الداخل الخليجي وإضعاف ثقة الشعوب بدولها.
* إعلامية وباحثة أكاديمية