مرَّ ذاتَ مساءٍ فيلمٌ مصريٌّ قديم يحملُ عنوان «الصعود إلى الهاوية»، ولم يكن عنوانهُ مجردَ عبارةٍ سينمائية، بل كان اختصاراً لحكايةِ كلِّ خائنٍ يظنُّ أنَّ الطريقَ إلى المجد يمكن أن يُعبَّد بالخيانة، وأنَّ التفريطَ بالأوطانِ قد يفتحُ أبوابَ الصعود، لكنَّ بعضَ الطرقِ، مهما ازدانتْ بالبريق، لا تقودُ إلا إلى السقوط.
فالخيانةُ لا تبدأُ دائماً بضجيجٍ كبير، بل قد تبدأُ بهمسةِ طمع، أو بلحظةِ ضعف، أو بوهمِ تفوّقٍ عابر، أو بحقد دفين، ثم تكبرُ في الروحِ كالعتمة، حتى يفقدَ الإنسانُ قدرتَهُ على رؤيةِ نفسه. وحين يعتادُ بيعَ المبادئ، يصبحُ كلُّ شيءٍ قابلًا للبيع، حتى الوطن.
إن خيانةَ الوطنِ ليست خطأً عابرًا يُغتفر، ولا رأيًا يُختلفُ حوله، بل جريمةٌ تسقطُ معها كلُّ الأعذار، لأنَّ الخائنَ لا يطعنُ فرداً واحداً، وإنما يطعنُ وطناً كاملاً في ظهره، ويعبثُ بأمنِ الناسِ وطمأنينتِهم واستقرارِ حياتِهم.
والخائنُ، وإن بدا في لحظةٍ ما مرتفعاً، فإنَّهُ في الحقيقةِ لا يصعدُ إلا نحو هاويتِه. يمضي بخطواتٍ واثقةٍ فوقَ فراغٍ سحيق، يظنُّهُ طريقًا للنجاة، بينما هو انحدارٌ بطيءٌ نحو العزلةِ والخذلانِ والاحتقار. فلا وطنَ يحتضنُ من خانه، ولا ذاكرةَ الناسِ ترحمُ من باعَ أمنهم، ولا التاريخُ يمنحُ الخونةَ سوى العار. فالوطنَ ليس فندقاً نغادرهُ حين تختلفُ الأهواء، ولا محطةً مؤقتةً نبدّلها إذا تغيّرت المصالح. الوطنُ روحٌ تسكنُ الإنسان، فإذا خانها، عاشَ منفياً وإن بقيَ بين الجدرانِ ذاتها.
وما بينَ "الصعود” و”الهاوية” مسافةُ وهمٍ قصيرة، يدفعُ ثمنَها أولئك الذين ظنّوا أنَّ الأوطانَ يمكن أن تُخانَ بلا عقاب، وأنَّ السقوطَ قد يُشبهُ التحليق.
وفي المقابل، تبقى الأوطانُ حيّةً بأبنائها المخلصين، أولئك الذين يدركون أنَّ الولاءَ ليس شعاراً يُرفعُ وقتَ الرخاء، بل موقفٌ أخلاقيّ يظهرُ حين تشتدُّ الأزمات. وقد أثبتت البحرينُ أنَّ قوةَ الوطنِ لا تكمنُ في غيابِ التحديات، بل في قدرتِه على الثباتِ أمامها، بفضلِ تلاحمِ شعبِه مع قيادتِه الحكيمة.
وتأتي وثيقةُ التأييدِ بوصفِها موقفاً وطنياً يعكسُ روحَ المسؤولية، ويؤكدُ أنَّ أبناءَ الوطنِ يقفون صفاً واحداً خلفَ قيادتهم ومؤسساتهم، مؤمنين بأنَّ القانونَ هو الضمانةُ الكبرى للعدلِ والاستقرار، وأنَّ التلاحمَ الشعبيَّ هو الحصنُ الذي تتكسرُ أمامه محاولاتُ الفتنةِ وزعزعةِ الأمن.