لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد مساحة للترفيه وقضاء وقت الفراغ أو تبادل الصور والأخبار، بل تحولت إلى ساحة رئيسية لتشكيل الوعي والانتماء والهوية الوطنية، خصوصاً لدى الشباب الذين باتوا يقضون جزءاً كبيراً من حياتهم داخل العالم الرقمي، أكثر مما يقضونه في الواقع. ولهذا لم يعد الحديث عن المواطنة والولاء الوطني منفصلاً عن الإعلام الرقمي، بل أصبح مرتبطاً به بصورة مباشرة باعتباره ساحة كبيرة ومؤثرة تلتقي فيها عقول الشباب وهم جالسون في بيوتهم.
كشفت الدراسات الأكاديمية الحديثة التي تناولت دور مواقع التواصل الاجتماعي في تعزيز الانتماء والمواطنة لدى الشباب عن أن المنصات الرقمية أصبحت من أهم الوسائل القادرة على التأثير في إدراك الأفراد لهويتهم الوطنية وعلاقتهم بمجتمعاتهم ودولهم. وأن الشباب يعتمدون بصورة متزايدة على شبكات التواصل للحصول على المعلومات ومتابعة القضايا العامة، وهو ما يمنح هذه المنصات قدرة كبيرة على تشكيل اتجاهاتهم وتعزيز قيم الانتماء لديهم إذا استُخدمت بصورة واعية ومسؤولة.
إن التحديات السياسية والإعلامية التي تواجهها المنطقة -خصوصاً- بعد حملات التحريض وبث الفوضى والاستهداف والتضليل الإعلامي الذي تعرّضت له البحرين خلال الاعتداءات الآثمة، تزيد أهمية بناء خطاب وطني رقمي قادر على حماية الهوية الوطنية وتعزيز الثقة بالمجتمع والدولة.
فالمعركة اليوم أصبحت معركة وعي، وأضحت الكلمة المنشورة على منصة رقمية أحياناً أخطر من أي وسيلة تقليدية أخرى، لأنها تصل بسرعة، وتنتشر بلا قيود، وتؤثر في وجدان الشباب واتجاهاتهم.
لعل أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات عبر الإعلام الرقمي ليس فقط الشائعات أو الأخبار الكاذبة والمضللة مثلما شاهدنا وقت الأزمة، بل محاولات تفكيك الهوية الوطنية وإضعاف الثقة بين المواطن ووطنه، ولذلك فإن تعزيز المواطنة الرقمية أصبح اليوم جزءاً من الأمن الوطني والثقافي.
من هنا، فإن استهداف الشباب بشكل أكبر في الاستراتيجية الإعلامية الرقمية أمر أساسي، باعتبارهم الفئة الأكثر تفاعلاً مع البيئة الرقمية وأنهم الأكثر حركية وحماساً وقابلية للاستجابة والتوجيه، وذلك لتعزيز الوعي بالمواطنة والانتماء والولاء عبر تقديم المحتوى الوطني بلغة بسيطة تناسب الشباب، وخطابهم اليومي عبر آلية الاستمرار والتكرار بأساليب متنوعة وجذابة، مع التركيز على الجهود الكبيرة التي تقوم بها الدولة للشباب -وهي كثيرة- سواء في التعليم أو الصحة أو الإسكان أو التوظيف أو الخدمات، وغيرها من المشاريع الكبيرة ذات الصلة بالشباب وأسرهم.
عندئذ نكون قد وظفنا وسائل الإعلام الرقمية بشكل إيجابي استباقي عبر محتوى وطني مدروس قادر على الوصول لعقول الشباب، يستهدف زيادة الوعي والمسؤولية الوطنية، ومن ثم تصبح المنصات قوة ناعمة تدعم الاستقرار والانتماء والمواطنة.
المسؤولية اليوم لا تقع فقط على المؤسسات الإعلامية، بل تشمل الأسرة، ومؤسسات التعليم، والمؤثرين وخطبة الجمعة، وصنّاع المحتوى، وكل من يمتلك منصة أو كلمة قادرة على التأثير.
لقد غيّرت وسائل الإعلام الرقمية من مفهوم الولاء الوطني، فلم يعد مجرد شعور صامت تمتلئ به قلوب المواطنين يخرج في مواقف معينة، بل أصبح ممارسة يومية تبدأ من وعي الشخص بما ينشره، وما يشاركه، وما يدافع عنه في الفضاء الإلكتروني. لذلك فالولاء بمفهوم ما بعد الأزمة يتطلب من كل شاب أن يكون «جندياً رقمياً شريفاً» يدافع عن وطنه ضد الهجمات الرقمية والجيوش الافتراضية التي لا ترصدها الرادارات. حمى الله البحرين وقيادتها وشبابها من كل سوء.